حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 301
الإماتة الأولى عند انخرام الأجل والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال والإحياءان ما في القبر والمبعث إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصلاب آبائهم فأحياهم اللّه في الدنيا ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم يوم البعث والنشور فهما موتتان وحياتان، وهو كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: 28] فسروا الإماتة بما يعم خلقهم أمواتا ابتداء وتصييرهم أمواتا بإزالة الحياة عنهم. وتبعهم الزمخشري والمصنف في ذلك التفسير. ولما ورد على هذا التفسير أنه كيف يصح والحال أن الإماتة إنما تتعلق بالحي بإزالة الحياة عنه لأن تعلقها بما لا يكون مسبوقا بالحياة تحصيل الحاصل والتنظير بقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ غير معقول إذ ليس فيه أنه تعالى أماتهم بل المذكور فيه كونهم أمواتا، والموت لكونه عبارة عن عدم الحياة لا يستدعي سبق الحياة وإنما يستدعيه أن لو كان عبارة عن زوال الحياة وليس كذلك، فظهر الفرق ولم يبق للتنظير وجه. وأجاب عنه المصنف بقوله: فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء وتصييرا وتقريره أنا لا نسلم أن الإماتة معناها إزالة الحياة بل هي تستعمل بمعنيين: أحدهما إيجاد الشيء ميتا ابتداء وثانيهما تصييره ميتا كما في التصغير والتكبير، فإنه يستعمل بمعنيين: أحدهما إيجاد الشيء صغيرا وكبيرا كما في قول من قال: سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، وقد يكون بمعنى تصييره صغيرا بعد كبره وكبيرا بعد صغره فصح التفسير المذكور. وإن سلمنا أن الإماتة تصيير الشيء ميتا بإزالة الحياة عنه وأنها لا يصح إطلاقها حقيقة على إيجاد الشيء ميتا ابتداء لكن لا نسلم أنه لا يصح تفسيرها بالمعنى المجازي المتناول لكل واحد من المعنيين، فإن لفظ الإماتة حينئذ يكون حقيقة في تصيير الحي ميتا ومجازا في الإيجاد ميتا تشبيها لاختيار الفاعل أحد الوصفين المقبولين للشيء بدل الآخر بنقله من أحد الوصفين إلى الآخر حقيقة، فصح أن يستعار لفظ الإماتة لاختيار إنشاء الشيء ميتا مع كون إنشائه حيا مقدورا للفاعل لكونه بمنزلة تصييره ميتا بعد كونه حيا، وأن تفسر الإماتة بالمعنى المتناول لكل واحد من المعنيين على طريق عموم المجاز فقوله: «أحد مقبوليه» معناه أحد مقبولي مصنوعه فإن البعوضة والفيل مثلا يقبل كل واحد منهما كل واحد من وصفي الصغر والكبر بدل الآخر، فاختيار الفاعل أحد الوصفين المقبولين لمصنوعه يشبه تصييره موصوفا به وصرفه عن الآخر وكذا اختيار إيجاده ميتا بدل إيجاده حيا بمنزلة تصيير الحي ميتا. قوله: (إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه) تعليل لعدم إدخال القائل الإحياءة الأولى في الإحياءين يعني أن مقصود الكفار من قولهم:
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ الخ اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدنيا وهو حياة القبر والبعث لا الحياة الأولى إذ لا إنكار لأحد فيها كأنهم أجابوا عن ندائهم بقوله: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ