فهرس الكتاب

الصفحة 4350 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 304

وقرئ «رفيع» بالنصب على المدح يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضا مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد. و «الروح» الوحي و «من آمره» بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدأه. والأمر هو الملك المبلغ. عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يختاره للنبوة، وفيه دليل على أنها عطائية. لِيُنْذِرَ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكون الرفيع بمعنى الرافع وتكون الدرجات عبارة عن درجات الأنبياء والأولياء في الجنة وعن مراتب المخلوقات في العلوم والأخلاق الفاضلة ونحو ذلك. والمصنف أشار بقوله: «فإن من ارتفعت درجات كماله» الخ إلى أن رفيع بمعنى مرتفع وأن المراد بالدرجات صفات كماله التي هي من قبيل المعقولات، فقوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يدل على علو صمديته من حيث المعقول والعرش من جنس الجسمانية المحسوسة فكان قوله: ذُو الْعَرْشِ أي خالقه ومالكه ومدبره الأعلى علو صمديته من حيث المحسوس فإن من كان محل تصرفه وتدبيره أعظم كانت صمديته ونفاذ قدرته أتم وأقوى. وإن كان المراد بالدرجات مراتب المخلوقات يكون الرفيع بمعنى الرافع فإنه تعالى رفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، ورفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة والأرزاق والآجال وجعل لكل واحد من الملائكة درجة معينة كما قال: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] وجعل لكل واحد من العلماء درجة معينة كما قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: 11] وعيّن لكل نوع من الأجسام درجة فجعل بعضها أرضية سفلية كدرة وبعضها فلكية علوية مشرقة وبعضها من جواهر العرش والكرسي. وإن كانت الدرجات عبارة عن مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش يحتمل أن يكون الرفيع بمعنى المرتفع وكذا إن كانت عبارة عن السموات كما قال سعيد بن جبير: هي سماء فوق سماء والعرش فوقهن.

قوله تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ) الصحيح أن المراد به الوحي سمي روحا تشبيها له بالروح من حيث إن الروح لحياة الأجسام والوحي سبب لحياة القلوب، فإن حياة القلوب إنما هي بالمعارف الحاصلة بالوحي فلما كان الوحي سببا للحياة صار بمنزلة الروح فسمي روحا.

واعلم أن ما سوى اللّه تعالى إما جسماني وإما روحاني، فبيّن اللّه تعالى بهذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخيره تعالى، أما الجسماني فأعظمه العرش فقوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام وقوله: يُلْقِي الرُّوحَ الخ يدل على أن الروحانيات أيضا كالجسمانيات مسخرات لأمره والباء في قوله: «بإظهار آثارها» صلة الأمر أي الملائكة مسخرات لأمره بإظهار الوحي وتبليغه إلى الأنبياء استعير الروح للوحي لأنه يحيي به القلب بخروجه من الجهل والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة، ثم بيّن الوحي بالأمر بمعنى طلب الخير والبعث عليه وهو أن يتحلى المكلف بما أمره به الشارع وندبه إليه ويتخلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت