حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 350
فلذلك لحقت النون الفعل ولا تلحق مع «أن» وحدها. بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ وهو القتل والأسر أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن تراه فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، وهو جواب «نَتَوَفَّيَنَّكَ» وجواب «نُرِيَنَّكَ» محذوف مثل: فذاك. ويجوز أن يكون جوابا لهما بمعنى أن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنّا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب. ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ إذ قيل: عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والمذكور قصتهم أشخاص معدودة. وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم ليس لهم اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها. فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بالعذاب في الدنيا والآخرة. قُضِيَ بِالْحَقِ بإنجاء المحق وتعذيب المبطل. وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) المعاندون باقتراح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلذلك) أي فلكون «أن» الشرطية مؤكدة ب «ما» المزيدة لتأكيد معنى الشرط لحقت نون التأكيد فعل الشرط، فإن نون التأكيد إنما تلحقه إذا أكدت كلمة «أن» ب «ما» ولا تلحقه إذا لم تؤكد بها فلا يقال: إن تكرمني أكرمك بل يقال: أما تكرمني. قيل: ما ذكر من تلازم نون التأكيد و «ما» المزيدة إنما هو مذهب المبرد والزجاج. ونص سيبويه على التخفيف. قوله: (وهو جواب نتوفينك) جواب عما يقال: الظاهر أن قوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ معطوف على قوله: نُرِيَنَّكَ ففي الكلام شرطان اشتركا في جزاء واحد وهو قوله تعالى:
فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فيلزم أن يكون كل واحد من الشرطين المذكورين سببا للجزاء المذكور بعدهما وهو انتقامه تعالى منهم في الآخرة، وكون الشرط الأول سببا له غير معقول لأن تعذيبهم في الدنيا بمرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف يكون سببا لانتقامه تعالى منهم في الآخرة؟ وإن جعل قوله تعالى: فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ جوابا للشرط الثاني وحده بقي الشرط الأول بغير جزاء.
وتقرير جوابه ظاهر. ثم قال: ويجوز أن يكون جوابا لهما فيكون المقصود من الشرطية تقرير قوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ على أن يكون المراد بالوعد تعذيب المجادلين بعذاب الآخرة فقدره ببيان أن تعذيبهم في حياته لا يسقط عنهم عذاب الآخرة بل إنهم يعذبون فيها البتة سواء عذبوا في حياته أو لم يعذبوا. قوله: (إذ قيل) تعليل لقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ روي عن أبي ذر رضي اللّه عنه أنه قال: قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كم عدة الأنبياء؟ فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر» ولما كان الذين يجادلون في آيات اللّه قد اقترحوا معجزات زائدة على ما أظهر اللّه تعالى على يده كقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء: 90] وغير ذلك مع كون