حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 354
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ ما بقي منهم من القصور والمصانع ونحوهما. وقيل: آثار أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم. فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) «ما» الأولى نافية أو استفهامية منصوبة «بأغنى» والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به.
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والآيات الواضحات.
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ واستحقروا علم الرسل، والمراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة كقوله: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل: 66] وهو قولهم: لا نبعث ولا نعذب وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [الكهف: 36] ونحوها وسمّاها علما على زعمهم تهكما بهم، أو علم الطبائع والتنجيم والصنائع ونحو ذلك، أو علم الأنبياء وفرحهم به فرح ضحكهم منه. واستهزائهم به. ويؤيده: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) وقيل: الفرح أيضا للرسل فإنهم لما رأوا تمادى جهل الكفار وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا اللّه عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجادلون في آيات اللّه وقد حصل الكبر العظيم في صدورهم إنما كان السبب الكلي في عدولهم عن الحق وانهماكهم في الضلال هو طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه. ومن المعلوم أن من ترك الانقياد للحق طلبا لهذه الأشياء الفانية والحظوظ العاجلة فقد باع السعادة الأبدية بلذة يسيرة فانية فبيّن اللّه تعالى فساد هذه الطريقة واحتج عليه بقوله:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الآية يعني أنهم لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين ليس إلا الهلاك والبوار مع أن الهالكين المتقدمين كانوا أكثر عددا ومالا وجاها من هؤلاء المتأخرين وحيث لم تفدهم تلك المكنة العظيمة إلا الخيبة والخسار فكيف حال هؤلاء الفقراء والمساكين؟ قوله: (والمصانع) وهي الحصون والمصنعة بفتح النون وضمها أيضا شيء كالحوض يجمع فيه ماء المطر. قوله: (ما الأولى نافية) بمعنى لم تعن عنهم أو استفهامية منصوبة بأغنى أي أي شيء أغنى عنهم، وفاعل «أغنى» هو «ما» الثانية سواء كانت موصولة محذوفة العائد أو مصدرية أي الذي كسبوه أو كسبهم. قوله: (وسمّاها علما) مع أن الاعتقاد الغير المطابق للواقع حقه أن يسمى جهلا بناء على زعمهم فإنهم يزعمون أن عندهم علما ينتفعون به وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علم الأنبياء وما أظهروه من البينات. قوله: (أو علم الطبائع) عطف على قوله: «عقائدهم الزائغة» . والمراد بعلم الطبائع علم الفلاسفة فإن الحكماء كانوا يصغرون علوم الأنبياء ويكتفون بما يكتسبونه بنظر العقل ويقولون: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. قوله: (أو علم الأنبياء)