حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 355
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا شدة عذابنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) يعنون الأصنام فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا لامتناع قبوله حينئذ ولذلك قال: «لم يك» بمعنى لم يصح ولم يستقم والفاء الأولى لأن قوله: فَما أَغْنى كالنتيجة لقوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ والثانية لأن قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ كالتفسير لقوله: فَما أَغْنى والباقيتان لأن رؤية البأس مسببة عن مجيء الرسل وامتناع نفع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيكون ضمير «فرحوا» للكفار كما في الوجهين الأولين إلا أن ضمير «عندهم» يكون للرسل والمعنى: فرح الكفار فرح ضحك واستهزاء بما عند الرسل من العلم حيث لم يقبلوه ولم يمتثلوا أحكام الوحي. ويؤيده قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي نزل بالكافرين جزاء استهزائهم. وقيل: كما أن المراد بالعلم علم الأنبياء فالمراد بالفرح أيضا فرحهم والمعنى: أن الرسل لما رأوا جهل الكفار واستهزاءهم هم فرحوا بما أوتوا من علم الوحي وشكروا اللّه تعالى عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. قوله: (لامتناع قبوله حينئذ) فإن الإيمان إنما ينفع إذا وقع مع القدرة على خلافه حتى يكون المرء مختارا له على الكفر والتكذيب، ووقت رؤية البأس وهو شدة العذاب يكون المرء ملجأ إلى الإيمان ولا يكون مبنيا على مجرد تصديق الشارع وإخباره بنزول البأس على من أصر على الكفر، ومن عاين نزول الملائكة العذاب لا يكون إيمانه كذلك فلا يقبل. قوله: (ولذلك) أي ولامتناع قبوله حينئذ لم يقل: فلم ينفعهم إيمانهم بل قال: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ فإنه أبلغ في نفي النفع من لم ينفعهم إيمانهم، لأنه بمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم كما في قوله تعالى: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: 35] فإن أداة النفي إذا دخلت على الكون المتضمن لمعنى الفعل المنفي صار النفي كأنه توجه إلى الفعل المنفي مرتين فكأنه قيل: هذا الفعل من الشؤون التي عدمها راجح على وجودها البتة وأنها من قبيل المحالات.
وارتفاع قوله: إِيمانُهُمْ يجوز أن يكون على أنه اسم «كان» ويكون «ينفعهم» خبرها مقدما عليه وأن يكون على أنه فاعل «ينفعهم» واسم «كان» ضمير الشأن المستتر فيه.
قوله: (والفاء الأولى) يعني أن في الآية أربع فاءات مترادفة: الأولى في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ والثانية في قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ والثالثة والرابعة في قوله: فَلَمَّا رَأَوْا وفي قوله: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ فالفاء الأولى تشبه فاء النتيجة فإن قوله تعالى: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ الخ جملة مستأنفة لبيان أول حال من قبلهم وآخرها ليتبين سوء عاقبتهم وأن ما جمعوه وكسبوه لم ينفعهم في العاقبة فقوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ نتيجة قوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا أي فما أحدث ذلك لهم من النفع إلا أن حرموا نفعه ووقعوا في عكس ما توقعوا من جمع الجنود والأموال وبناء شدائد القصور والحصون. والثانية فاء