حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 399
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ بتفريجها عنه لَيَقُولَنَّ هذا لِي حقي استحقه بمالي من الفضل والعمل أولى دائما لا يزول وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً تقوم وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أي ولئن قامت على التوهم وكان لي عند اللّه تعالى الحالة الحسنى من الكرامة، وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه. فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فلنخبرنهم بِما عَمِلُوا بحقيقة أعمالهم ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50) لا يمكنهم التفصي عنه.
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ وانحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبرا. والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله: فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: 56] وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) كثير مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته واستمراره وهو أبلغ من الطويل إذ الطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويسلبه عنه. والثاني من قوله الفاسد قوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً فإنه إذا عرض عليه البعث والجزاء وقيل له: كل امرئ يجزي في الآخرة بما اكتسبه في الدنيا فمن أطاع ربه فله جزاء الحسنى ومن عصاه فله نار لظى، فحينئذ يلتجئ إلى إنكار الساعة ويقول ما أظن أنها تقوم. والثالث قوله: لست على يقين من قيام الساعة ولو فرض أنها تقوم وأنا أرد إلى ربي فإنه يعطيني الحالة الحسنى كما أعطاني في الدنيا، لأن سبب الإعطاء متحقق فيها أيضا وهو استحقاقي إياها واقتضاء ذاتي المجازاة بها. فرد اللّه تعالى عليه قوله: إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى بأن قال: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي لنقفنّهم على مساوئ أعمالهم. ثم إنه تعالى لما حكى أقوال من أنعم عليه من بعد ضراء مسته حكى أحواله أيضا فقال: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ عن المنعم والاعتراف بفضله وإحسانه والاشتغال بشكر نعمه إلى الاشتغال بنفس النعمة والنظر لها. ونأى بمعنى بعد والباء في «بجانبه» للتعدية، ونأى الجانب عن الشكر يستلزم الانحراف عنه فلذلك فسره. ثم جوّز أن يكون الجانب عبارة عن النفس ويكون المعنى تباعد عن الشكر بذاته وكليته لا بجانبه فقط فإنهم قد يحتشمون من التصريح باسم الشيء ويعبرون عن ذاته بالمجلس والمكان والجانب ونحو ذلك إشعارا لتعظيمه فيقولون: حضرة فلان ومجلسه، وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز دون نفسه وذاته. قوله:
(مستعار مما له عرض متسع) لتعذر الحقيقة لأن الطول والعرض من صفات الأجرام، فلا يتصور أن في الدعاء واتساع العرض مستفاد من صيغة فعيل لأنها للمبالغة وكل واحد من الطول والعرض مستعار للكثرة فيقال: أطال فلان الكلام وأعرض أي أكثر. قوله: (أخبروني) فيه تجوزان: الأول أنه أطلق الرؤية وأريد الإخبار لأن الرؤية سبب للإخبار، والثاني أنه جعل