حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 411
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائنها يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يوسع ويضيق على وفق مشيئته إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) فيفعله على ما ينبغي.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد ومن بينهما عليهم السّلام من أرباب الشرع وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام اللّه ومحله النصب على البدل من مفعول «شرع» أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به. وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرع فتختلف، كما قال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: 48] كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ عظم عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ يجتلب إليه والضمير لما «تَدْعُوهُمْ» أو «للدين» وَيَهْدِي إِلَيْهِ بالإرشاد والتوفيق مَنْ يُنِيبُ (13) يقبل إليه وَما تَفَرَّقُوا يعني الأمم السالفة. وقيل: أهل الكتاب لقوله تعالى:
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [البينة: 4] إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بأن التفرق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خزائنها) إشارة إلى أن ملك المفاتيح كناية عن ملك الخزائن. لما ذكر اللّه تعالى وحيه إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ شرع في تفصيل ما تضمنته هذه السورة من المعاني فقال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ الآية أي بيّن لكم يا أصحاب محمد من الدين وما وَصَّى بِهِ نُوحًا وهو أول أنبياء الشريعة ومعنى شرّع بيّن المسلك وفتح الطريق إلى مرضاته والدين هو الطاعة والانقياد، وإقامة الدين الدوام عليه بإحياء شروطه وحدوده. وخص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة.
قوله: (وهو الأصل المشترك فيما بينهم) يعني أن المراد بالدين الذي وصى به هؤلاء الأنبياء أصول الدين، وهي ما تطابقت الأنبياء على صحته ولم يختلف باختلاف الشرائع كالإيمان باللّه وحده لا شريك له وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. قوله: (والرفع على الاستئناف) فتكون «أن» مصدرية ويكون الفعل معها في تأويل المصدر كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين والاجتماع عليها وترك التفرق في إقامته. فإن الأمر إذا انتظم على هذا الوجه زال الفساد وظهر العدل وتباعد الناس عن التظالم فيتفرغون لعمارة دنياهم ويتوصلون بها إلى إقامة دينهم وينالون المنزلة الرفيعة عند ربهم. قوله: (يجتلب إليه) إشارة إلى أن يجتبى مأخوذ من الجباية وهي طلب الخراج لا من الاجتباء بمعنى الاصطفاء لأنه لا يتعدى ب «إلى» بخلاف الجباية فإن فيها معنى الضم فلذلك تعدى ب «إلى» فيقال: