حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 412
ضلال متوعد عليه أو العلم بمبعث الرسول عليه السّلام أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها بَغْيًا بَيْنَهُمْ عداوة أو طلبا للدنيا. وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بالإمهال إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ باستئصال المبطلين حين افترقوا لعظم ما اقترفوا وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب. وقرئ «ورثوا» و «ورثوا» لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من كتابهم لا يعلمونه كما هو، أو لا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن مُرِيبٍ (14) مقلق أو مدخل في الريبة.
فَلِذلِكَ فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب أو العلم الذي أوتيته. فَادْعُ إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجتبى إليه أي يوفقه له ويقربه إليه رحمة وإكراما. لما بيّن اللّه تعالى أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان مظنة أن يقال: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فأجاب بقوله:
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد ما أتاهم الإجماع على إقامة الدين المتفق عليه وعلموا بذلك أن التفرق ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك لأجل البغي الحاصل منهم والحسد والعداوة المستقرة بينهم المانعة من الاتفاق، فلذلك ذهبت كل طائفة إلى مذهب ودعوا الناس إليه وقبحوا ما سواه. ويحتمل أن يكون البغي مصدر بغاه طلبه ويكون المعنى: تفرقوا طلبا للدنيا والرياسة. ثم إنه تعالى أخبر أنهم استحقوا العذاب بسبب تفرقهم إلا أنه تعالى أخّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى أي وقتا معلوما. والمصنف فسر المتفرقين في أصول الدين بالأمم السابقة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفسر الذين أورثوا الكتاب من بعدهم بأهل الكتاب الذين تفرق كل فريق منهم عن صاحبه بالانتساب إلى كتاب غير كتاب الآخر فقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بأن التفرق ضلال» ناظر إلى ما اختاره من أن المراد بالتفرق اختلاف الأمم السالفة في الأصل المشترك بين أرباب الشرائع وقوله: «أو العلم بمبعثه عليه أفضل الصلاة والسّلام» ناظر إلى ما نقله من أن المراد بالتفرق تفرق كل فريق من أهل الكتاب بالانتساب إلى كتابه. فعلى هذا يكون ضمير «تفرقوا» لأهل الكتاب ويكون المراد بالذين أوتوا الكتاب من بعدهم المشركين وبالكتاب القرآن، وقوله: «لا يعلمونه كما هو» ناظر إلى أن يكون المراد بالمتفرقين الأسلاف وبالذين أورثوا الكتاب المعاصرين وقوله: «أو من القرآن» ناظر إلى أن يكون المراد بالمتفرقين مطلق أهل الكتاب وبالذين أورثوا المشركين. قوله: (فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب أو العلم) الأول على أن تكون الإشارة إلى مصدر تفرقوا، والثاني على أن تكون الإشارة إلى الكتاب الذي أريد به القرآن، والثالث على أن تكون الإشارة إلى المشروع المبين الذي هو الأمر