حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 442
وَما كانَ لِبَشَرٍ وما صح له أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا كلاما خفيّا يدرك بسرعة لأنه تمثيل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة وهو ما يعمّ المشافه به، كما روي في حديث المعراج وما وعد به في حديث الرؤية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إذ كان له من البنين ثلاثة على الصحيح: القاسم وعبد اللّه وإبراهيم ومن البنات أربع: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضوان اللّه عليهم أجمعين. وقوله: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا المراد به يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسّلام. وقال المفسرون: هذا على وجه التمثيل وإنما الحكم عام في كل الناس لأن المقصود بيان نفاذ قدرة اللّه تعالى في تكوين الأشياء كيف شاء فلا وجه للتخصيص. ثم إنه تعالى لما بيّن علمه وقدرته وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه فقال: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ كلمة «أن» مع ما عملت فيه في موضع الرفع على أنه اسم «كان» و «لبشر» خبرها. قوله: (كلاما خفيّا) إشارة إلى أن قوله: إِلَّا وَحْيًا منصوب على أنه مفعول مطلق بناء على كونه موضوعا موضع كلاما لأن الوحي بمعنى الكلام الخفي المدرك بسرعة ضرب من الكلام، كما أن من وراء حجاب وإرسال الرسول ضربان آخران منه، فإن الكلام على لسان الرسول بمنزلة الكلام بغير واسطة تقول: قلت لفلان كذا وكذا وإنما قاله وكيلك أو رسولك، فصح وضع كل واحد منهما موضع المصدر كما تقول: لا أكلمه إلا جهرا وإلا خفية لأنهما ضربان من الكلام.
وفسر الوحي بالكلام الخفي المدرك بسرعة وقيد الكلام بكونه خفيا لبيان أن كلامه تعالى القائم بذاته ليس من قبيل الأصوات وبكونه مدركا بسرعة لبيان أنه ليس في ذاته مركبا من حروف يعني أن كلامه تعالى يدرك بسرعة لكونه عبارة عن تمثل المعنى وارتسامه في علم المتكلم تمثلا وقعيا ليس في ذاته مركبا مما ذكر كتمثل المعاني بصورة خيالية مشتملة على أجزاء كثيرة من غير تقدم وتأخر بينها، فإذا لم يكن الكلام الخيالي كالحسي فالعقلي والمعنوي أولى والمقصود من الحصر المذكور بقوله: إِلَّا وَحْيًا إلى آخر الآية نفي الكلام بوجه يقتضي الحدوث كالكلام الحسي المعهود لنا.
قوله: (وهو ما يعمّ المشافه به) أي تكليم اللّه البشر بهذا الكلام الخفي يجوز أن يكون بأن يشاهده البشر ويواجهه كما روي أنه عليه الصلاة والسّلام حين عرج به إلى السماء دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: 8 - 10] أي أنه عليه الصلاة والسّلام شاهد ربه وسمع كلامه مشافهة. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قصة الإسراء: «فارقني جبريل فانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي وهو يقول: ليهدأ روعك يا محمد ادن ادن» . وفي حديث أنس نحو منه قال: ومن سمع صريف الأقلام كيف يستحيل في حقه أو يبعد سماع الكلام؟ قوله: (وما وعد به) عطف على