حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 445
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا يعني ما أوحي إليه وسماه روحا لأن القلوب تحيى به. وقيل: جبريل. والمعنى: أرسلناه إليك بالوحي. ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ أي قبل الوحي. وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع. وقيل:
المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع. وَلكِنْ جَعَلْناهُ أي الروح أو الكتاب أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصريح موقع الحال نحو: أتيته ركضا ومشيا أي راكضا وماشيا فكذا يصح أن يقع موقعه ما كان في تأويل المصدر، وكذا الجار والمجرور قد يقع موقع الحال كقوله تعالى: وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191] بعد قوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191] أي والذين يذكرون قائمين وكائنين على جنوبهم. فمعنى الآية على تقدير كون كل واحد من الثلاثة في موقع المصدر الصريح وهو إنما يقع موقع الحال إذا كان نوعا للفعل لا مطلقا فلا يقال: أتيته بكاء أي باكيا. ولو سلم أن المصدر الصريح مطلقا يقع موقع الحال فلا نسلم أن «أن» مع الفعل كذلك إذ لا يصح: جاءني زيد أن يمشي بمعنى ماشيا وإن صح: جاءني زيد مشيا نص عليه سيبويه. ثم إنه تعالى لما بيّن أقسام تكليمه مع أنبيائه عليهم السّلام وهي أنه تعالى يكلمهم تارة بواسطة وتارة بغير واسطة إما عيانا ومشافهة وإما من وراء حجاب قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا أي ومثل ذلك الإيحاء والتكليم على الطرق الثلاثة أوحينا إليك روحا تحيى به القلوب الميتة من عالم أمرنا المنزه عن الزمان والمكان، على أن تكون الإشارة إلى التكليم المدلول عليه بقوله: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ويجوز أن ترجع الإشارة إلى قوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا أي ومثل هذا النوع من التكليم وهو التكليم بإرسال الرسول كلمناك وهو قوله: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ومحل الكاف النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي وحيا مثل ذلك الوحي. قوله: (ما كنت تدري) في موضع الحال من الكاف في «إليك» وكلمة «ما» فيه نافية وقوله: مَا الْكِتابُ استفهامية وهو جملة اسمية استفهامية ومحلها النصب لسدها مسد مفعولي الدراية وهي معلقة عنها بحرف الاستفهام وقد اتفق المسلمون على أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر الموجبة لنفرة الناس عنهم قبل البعثة وبعدها فضلا عن الكفر إلا أنه تعالى نفى عنه عليه الصلاة والسّلام دراية الإيمان والعلم به قبل أن يوحى إليه، ونفي العلم يكنى به عن نفي المعلوم في مثل هذا المقام. فالمفهوم من الآية أن لا يكون عليه الصلاة والسّلام قبل الوحي مؤمنا باللّه وبوحدانيته إلا أنه لا يلزم من نفي الإيمان عنه عليه الصلاة والسّلام بقوله: ولا الإيمان أن يكون كافرا بل اللازم هو عدم الاعتقاد وذلك لأن المراد بعدم الدراية الجهل البسيط وهو كون النفس ساذجة عن الاعتقاد والحكم لا الجهل المركب الذي هو الكفر والاعتقاد الباطل، ولهذا كانت الآية دليلا على أنه عليه الصلاة والسّلام لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع لأن التعبد به