حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 451
أَنْ كُنْتُمْ أي لأن كنتم قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي «إن» بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالا لهم وما قبلها دليل الجزاء.
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7) تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن استهزاء قومه.
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معرضين. قوله: (وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم) بناء على إسرافهم في الجهل والعصيان والكفر والطغيان والمعنى: إن ذلك الإسراف كيف يكون سببا للإعراض المذكور وهو في الحقيقة سبب لترك الإعراض؟ قوله: (على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالا لهم) جواب عما يقال من أنه كيف صح استعمال «أن» الشرطية في مقطوع الوقوع فإنهم كانوا مسرفين على القطع بحيث لا يشك فيه عاقل وحق كلمة «أن» أن تدخل على ما هو مشكوك الوقوع؟ وتقرير الجواب أنها قد تستعمل في مقام القطع للقصد إلى تجهيل المخاطب وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنه استعمل فيه كلمة «أن» توبيخا لهم بالجهل بأنهم مسرفون في الضلالة والطغيان مع وضوح كونهم كذلك بالبراهين القاطعة، فإن استعمالها في هذا المقام يخيل لهم أن الإصرار على ما هم عليه فعل من له شك في كونه إسرافا في الضلالة ونظيره قول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك. قوله: (وما قبلها دليل الجزاء) بناء على أن ما ذهب إليه البصريون من أن جزاء الشرط لا يتقدم عليه ويقولون في مثله إنه حذف الجزاء اعتمادا على دلالة ما قبل أداة الشرط عليه. ثم إنه تعالى لما وصفهم بالإسراف في الطغيان والتكذيب على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم قال: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍ الآية و «كم» فيه خبرية في موضع النصب على أنه مفعول مقدم «لأرسلنا» و «من نبي» تمييز و «في الأولين» متعلق «بأرسلنا» أو بمحذوف مجرور على أنه صفة لنبي.
والمعنى: إن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم واستهزاءهم لأن المصيبة إذا عمت خفت. ثم قال إتماما لتسليته ووعدا له ووعيدا لقومه: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا أي فأهلكنا الأولين الذين هم أشد وأقوى من قومك في البطش وهو شدة الأخذ فقوله: «أشد» ظاهر وضع موضع ضمير الأولين للتنصيص على شدتهم وقوتهم، والمعنى: إن أولئك المتقدمين الذين أرسل اللّه تعالى إليهم الرسل فاستهزؤوا برسلهم كانوا أشد بطشا من قريش وأكثر عددا وجلدا ومع ذلك أهلكناهم فليحذر قومك الذين سلكوا مسلكهم في الكفر والتكذيب أن ينزل بهم مثل ما جرى على الأولين وبطشا تمييز لأشد. وقيل: حال من فاعل أهلكنا أي أهلكناهم باطشين أو ذوي بطش.