حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 453
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا فتستقرون فيها. وقرأ غير الكوفيين «مهادا» بالألف. وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا تسلكونها لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) لكي تهتدوا إلى مقاصدكم أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك.
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ بمقدار ينفع ولا يضر. فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا زال عنه النماء وتذكيره لأن البلدة بمعنى البلد والمكان. كَذلِكَ مثل ذلك الإنشار تُخْرَجُونَ (11) تنشرون من قبوركم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تخرجون» بفتح التاء وضم الراء.
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أصناف المخلوقات. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12) ما تركبونه على تغليب المتعدي بنفسه على المتعدي بغيره إذ يقال: ركبت الدابة وركبت في السفينة، أو المخلوق للركوب على المصنوع له، أو الغالب على النادر ولذلك قال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العليم وصفه اللّه تعالى بتلك الأوصاف أيضا على أنها من تتمة كلامهم وإن لم يتفوهوا بها، ولم ينظروا إلى كونها لازم مقولهم ولا تفصيلا لإجمال جوابهم للدلالة على أن الذي وصفوه بكمال العزة والعلم والقدرة هو الموصوف بأن أسبغ عليهم هذه النعم الجليلة والآلاء العظيمة فكيف يكفرونها بعبادة غيره؟ ونظيره في كلام الناس أن يقول الرجل: هذا المسجد بناء فلان العالم فيقول السامع لكلامه: الزاهد الكريم فكأن ذلك السامع يقول: أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه وأزيد في صفته، فيكون النعتان جميعا من رجلين في حق رجل واحد.
قوله: (زال عنها النماء) يعني أن البلدة الميتة من قبيل التشبيه البليغ. شبّهت البلدة التي زال عنها النماء بالجسد الذي زالت الحياة عنه. قوله: (مثل ذلك الإنشار تنشرون من قبوركم) يعني أن الكاف في محل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي تنشرون إنشارا مثل إنشار البلدة الميتة من حيث إن كل واحد منهما إحياء بعد الإماتة، والمقصود أن إنشار البلدة الميت كما دل على قدرة اللّه تعالى وحكمته مطلقا فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة.
قوله: (ما تركبونه على تغليب المتعدي بنفسه الخ) يعني أن ركب بالنسبة إلى الفلك يتعدى بكلمة «في» كقوله تعالى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ [العنكبوت: 65] وبالنسبة إلى غيره يتعدى بنفسه كقوله تعالى: لِتَرْكَبُوها [النحل: 8] فغلب ههنا المتعدي بنفسه لقوته على المتعدي بواسطة «في» فقيل: تقدير قوله: ما تَرْكَبُونَ ما تركبونه والمراد تغليب أحد اعتباري الفعل على الآخر لا تغليب أحد الفعلين على الآخر، لأن الفعل المتعدي إلى الفلك هو المتعدي إلى الأنعام إلا أن تعديته إلى أحدهما تحتاج إلى آلة التعدية وتعديته إلى الآخر لا تحتاج إليها، وذلك لا يوجب التعدد في نفس الفعل حتى يقال غلب أحد الفعلين على الآخر وقوله: «ولذلك» أي وللبناء على أحد التغليبين الأخيرين عدى فعل الاستواء بكلمة