حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 455
تعالى. وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا متصل بقوله: «ولئن سألتهم» أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف من عباده ولدا فقالوا: الملائكة بنات اللّه. ولعله سماه جزءا كما سمى بعضا لأنه بعضه من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته. وقرئ «جزأ» بضمتين. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) ظاهر الكفران ومن ذلك نسبة الولد إلى اللّه تعالى لأنها من فرط الجهل به والتحقير لشأنه.
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) معنى الهمزة في «أم» الإنكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءا حتى جعلوا له من مخلوقاته جزءا أخس مما اختير لهم وأبغض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من العثار والنفار والتقحم في المضايق والمهالك بسبب من الأسباب، فركوبها تعريض النفس للهلاك فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت عند الركوب ويعلم أنه هالك لا محالة وأن هلاكه إنما هو انقلابه إلى اللّه تعالى وإلى مقام حسابه فيستعد للقائه بإصلاح أحواله. قوله:
(أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف) أي اعتراف الممكنات بأسرها بأنه ذو العزة البالغة والعلم المحيط. وقدر لفظة «قد» للإشارة إلى أنه حال من فاعل قوله: لَيَقُولُنَ وبيّن به وجه اتصاله بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. قوله: (ولعله سماه جزءا) أي ولعل الوجه في التعبير عن الولد بالجزء الدلالة على استحالته على الواحد الحق كما سمى الولد بعضا لكونه بضعة من والده قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «فاطمة بضعة مني» والبضعة بفتح الباء القطعة من اللحم فإن الوالد ينفصل منه جزء من أجزائه ثم ينزل ذلك الجزء ويتولد منه شخص آخر يماثل الوالد فولد الرجل جزء منه. فإثبات الولد له تعالى يستلزم التركيب لأن كل ما له جزء فهو مركب وكل مركب ممكن والإمكان ينافي الوجوب الذاتي والتركيب ينافي الوحدة الذاتية، فيكون التعبير بالجزء عن الولد مشعرا باستحالة إثبات الولد لمن هو متصف بالوحدة الذاتية ومنزه عن الإمكان والاحتياج إلى الغير. فالجعل ههنا بمعنى الحكم بالشيء والاعتقاد به كما في قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا [الزخرف: 19] أي حكموا به ووصفوهم بالأنوثة. ويحتمل أن يكون ههنا بمعنى التصيير القولي. قوله: (وقرئ جزأ بضمتين) وهي قراءة عاصم في قول أبي بكر في كل القرآن. والباقون بإسكان الزاي وبالهمزة في كل القرآن وهما لغتان. وأما حمزة فإنه إذا وقف قال: «جزا» بفتح الزاي بلا همزة. ثم إنه تعالى أضرب عن الإخبار بأنهم جعلوا ولدا وأخذ فيما هو أهم وهو الإنكار عليهم والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له ولدا حتى جعلوا ذلك الولد شر الولدين وهو الإناث فإنهم أبغض الأولاد عندهم، ولو كان الأمر كما زعموه وهو أن اتخذ لنفسه البنات وأصفى عباده بالبنين للزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال المولى الخالق لكل شيء وذلك مما تستحيله بديهة العقل. يقال: أصفيت فلانا بكذا إذا أثرته به بحيث