حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 479
إِذا قَوْمُكَ قريش مِنْهُ من هذا المثل يَصِدُّونَ (57) يضجون فرحا لظنهم أن الرسول صار ملزما به. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: هما لغتان نحو يعكف ويعكف.
وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ أي آلهتنا خير عندك أم عيسى فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى، فإذا جاز أن يعبد ويكون ابن اللّه كانت آلهتنا الملائكة أولى بذلك. أو آلهتنا خير أم محمد فنعبده وندع آلهتنا؟ وقرأ الكوفيون «ءآلهتنا» بتحقيق بهمزتين والألف بعدهما والباقون بتليين الثانية. ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) شداد الخصومة حراص على اللجاج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقال: أضج القوم إضجاجا إذا جلبوا وصاحوا وإذا جزعوا من شيء وغلبوا قيل:
ضجوا يضجون ضجيجا كذا في الصحاح. فعلى هذا قوله: «يضجون فرحا» ينبغي أن يكون بضم الياء من باب الأفعال. فلما رأى المشركون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سكت ولم يجب ابن الزبعري صدوا ورفعوا أصواتهم فرحا، وظنوا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صار ملزما بجدله على ما جرت العادة به من أن أحد الخصمين إذا انقطعت حجته وصار مغلوبا أظهر الخصم الآخر الفرح والضجيج. قوله: (وقيل هما لغتان) في الصحاح: صد يصد صديدا أي أضج وصاح. قوله:
(أي آلهتنا خير عندك) لما اختلف في أن ابن مريم بمن ضرب مثلا، فقيل: إنه جعل مثلا للأصنام وقيل: للملائكة وقيل: لمحمد عليهما الصلاة والسّلام، ذكر لقوله تعالى: آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ وجوها ثلاثة مرتبة على ترتيب اللف، وجعل ضمير «أم هو» على الوجهين الأولين لعيسى عليه الصلاة والسّلام، وفي الوجه الثالث لمحمد عليه الصلاة والسّلام وضربوا المثل بينه وبين آلهتهم استهزاء لا تمييزا للحق من الباطل.
قوله: (ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل) والغلبة في القول يعني أن انتصاب «جدلا» على أنه مفعول له للضرب. وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي إلا مجادلين مخاصمين بالباطل لا مميزين بين الحق والباطل وكونه لأجل الجدل ظاهر، أما على الوجه الأول فلأنهم قد علموا أن المراد بقوله تعالى: وما تعبدون هؤلاء الأصنام بشهادة المقام لأنهم إنما يعبدون الأصنام، وكذا قوله عليه الصلاة والسّلام: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» إذ المراد بجميع الأمم الذين هم عباد الأصنام، إلا أن الزبعري لخبثه وخداعه لما رأى كلام اللّه تعالى وكلام رسوله يعمان العقلاء وغيرهم بحسب الظاهر مع علمه بأن المراد منه الأصنام انتهز الفرصة وجادل بالباطل فصرف معناه إلى الشمول والتناول لكل معبود سوى اللّه تعالى وتوقح في ذلك، فتوقر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أجاب عنه ربه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ