حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 487
والمعنى: سل ربنا أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته وهو لا ينافي إبلاسهم، فإنه جؤار وتمنى للموت من فرط الشدة. قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77) لا خلاص لكم بموت ولا غيره
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ بالإرسال والإنزال وهو تتمة الجواب إن كان في «قال» ضمير اللّه وإلا فجواب منه. وكأنه تعالى تولى جوابهم بعد جواب مالك.
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78) لما في اتباعه من إتعاب النفس وإدآب الجوارح
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهيته فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أمرا في مجازاتهم. والعدول عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوء من كراهتهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى سل ربنا) يعني أن طلب القضاء وإن كان متوجها إليه تعالى ظاهرا إلا أن المطلوب من حيث المعنى أن يسأل مالك خازن النار منه تعالى أن يميتهم فيستريحوا مما هم فيه من العذاب وإلا لكان نداء مالك ضائعا خاليا عن الفائدة. روي أنه يلقى على أهل النار الجوع بحيث يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون: ادعوا مالكا فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربك. قيل: فيسكت عنهم مالك ولا يجيبهم أربعين سنة، وقيل: لا يجيبهم مائة سنة. وقيل: ألف سنة ثم يجيبهم ويقول: إنكم ماكثون مقيمون في العذاب. ويحتمل أن يكون المجيب هو اللّه تعالى كما قال: «وهو تتمة الجواب إن كان في قال ضمير اللّه» يعني أن قوله: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِ كلام اللّه تعالى بدليل قراءة من قرأ «لقد جئتكم بالحق» فإن كان ما قبله مقولا له تعالى يكون هو من تتمة الجواب من حيث إنه كالعلة للجواب بقوله:
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ وإن كان ما قبله مقولا لمالك يكون هو جوابا منه تعالى بعد تمام جواب مالك. قوله: (ولكن أكثركم) أي كلكم لأن الكفرة كلهم كارهون للحق إما طبعا أو تقليدا.
قوله: (وهو لا ينافي إبلاسهم) جواب عما يقال: قد وصفهم اللّه تعالى آنفا باليأس من النجاة فكيف يطمعونها وينادون مالكا بذلك؟ وتقرير الجواب أن النداء المذكور إنما ينافي وصفهم باليأس أن لو كان طلب الإماتة على وجه الترجي وليس كذلك بل هو على وجه التمني.
وقيل: لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا قضية أن لا خلاص لهم من ذلك العقاب فطلبوه على سبيل الطمع والرجاء. ثم إنه تعالى لما ذكر كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ف «أم» فيه منقطعة أضرب عن ذكر كيفية عذابهم في الآخرة إلى ذكر حالهم في الدنيا والإبرام إحكام الأمر وإتقانه أي بل أحكموا أمرا في تكذيب الحق ورده أو في المكر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال مقاتل: نزلت في تدبير كفار مكة في المكر به عليه الصلاة والسّلام في دار الندوة كما قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال: 30] . قوله: (والعدول عن الخطاب) يعني أنه تعالى خاطب كفار قريش حال نسبة كراهة الحق إليهم وأخبر عنهم بطريق