حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 488
أو أم أحكم المشركون أمرا من كيدهم بالرسول فإنا مبرمون كيدنا بهم ويؤيده قوله:
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ حديث نفسهم بذلك وَنَجْواهُمْ تناجيهم بَلى نسمعهما وَرُسُلُنا والحفظة مع ذلك لَدَيْهِمْ ملازمون لهم يَكْتُبُونَ (80) ذلك
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) منكم فإن النبي يكون أعلم باللّه وبما يصح له وما لا يصح وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه، ومن تعظيم الوالد تعظيم ولده ولا يلزم من ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغيبة حال نسبة إبرام المكر إليهم للإشعار بأن الثاني أقبح من الأول، لأن الالتفات إلى الغيبة في مقام المخاطبة يكون لتحقير المخاطب وإسقاطه عن صلاحية المخاطبة معه، فلما أوثرت هذه الطريقة في نسبة الإبرام إليهم أشعر ذلك بكونه أسوأ من كراهتهم. قوله: (أو أم أحكم المشركون) عطف على قوله: أَمْ أَبْرَمُوا في تكذيب الحق فاعل «أَبْرَمُوا» على الأول الكفار الذين عبر عنهم بقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ علل مكثهم وخلودهم في النار أولا بكراهتهم للحق ثم أضرب عنه إلى الإخبار بأنهم لم يقتصروا على كراهة الحق بل أبرموا أمرا في تكذيبه ورده كأنه قيل: أبرم هؤلاء الذين هم للحق كارهون أمرا يقدرون أنهم يكيدون به الحق ويبطلونه بالجدل فإنّا مبرمون أمرا في إبطال كيدهم بإظهار الحق وإثابة من اتبعه وتعذيب من خالفه. قوله: (تناجيهم) أي التكلم فيما بينهم على وجه المسارة وترك المجاهرة. والسر ما حدث به نفسه ولم يكلم به غيره لا سرا ولا جهرا. ثم إنه تعالى أوجب المنفي المذكور فقال: بَلى أي بلى يسمعهما ويطلع عليهما ومع ذلك فالحفظة ملازمون يكتبون ذلك. لما قال بعض المشركين الملائكة بنات اللّه نزل قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ تبكيتا لهم حيث ادعى الملازمة بين كينونة الولد له تعالى وكونه عليه الصلاة والسّلام أول العابدين له أي إن كان ذلك وصح وثبت ببرهان صحيح فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه. ومن المعلوم أن اللازم منتف فإنه عليه الصلاة والسّلام أشد الناس نفرة من أن يعظم أحدا على زعم أنه ولد اللّه تعالى فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم. قوله: (فإن النبي يكون أعلم باللّه الخ) إثبات وتعليل للملازمة المذكورة. قوله:
(ولا يلزم من ذلك) أي من تعليق كونه عليه الصلاة والسّلام أول العابدين لذلك الولد كينونة الولد. وأتى بكلمة «أن» التي حقها أن تستعمل في حق تعليق المحتمل بالمحتمل لكون كل واحد من كينونة الولد وعبادته له عليه الصلاة والسّلام من الأمور المحتملة الوقوع لأن صدق الشرطية لا يستلزم صدق المقدم ولا كونه من الأمور المحتملة، إذ المحال قد يستلزم محالا آخر كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] وكذا كينونة الولد له تعالى مما يستحيل في نفسه مع أنه يستلزم أن يكون عليه الصلاة والسّلام أول من