فهرس الكتاب

الصفحة 4543 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 496

ابتدئ فيها إنزاله. أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح ثم أنزل على الرسول عليه السّلام نجوما وبركتها لذلك فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية والدنيوية، أو لما فيها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من شعبان. قوله: (ابتدئ فيها إنزاله) جواب عما يقال: ما معنى إنزال القرآن في هذه الليلة مع أنه تعالى أنزله في جميع الشهور ولياليها وأيامها؟ وروي أن عطية الحروري سأل ابن عباس عن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ كيف يصح ذلك مع أنه تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور؟ فقال ابن عباس: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا في نفسك ولم تجد جوابه لهلكت، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في سماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا فحالا.

قال قتادة وابن زيد: أنزل اللّه القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نجوما في عشرين سنة. قوله: (وبركتها لذلك) أي لا لذاتها لأن أجزاء الزمان متشابهة بحسب ذواتها فإن الزمان عبارة عن مدة ممتدة تقدرها حركات الأفلاك والكواكب وأنه في ذاته أمر واحد متشابه الأجزاء، فلا يكون بعض أجزائه أفضل من البعض الآخر لذاته وإلا لزم ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وأنه محال، فوجب أن يكون امتيازا لليلة المباركة عن سائر أجزاء الزمان بمزيد القدر والشرف بسبب أنه حصل فيها أمر شريف له قدر عظيم بإرادة الفاعل المختار فإنه لا يبعد عن الفاعل المختار أن يخصص وقتا معينا بأمر شريف ويميزه بذلك عن سائر الأوقات التي قبله وبعده. ومن المعلوم أن أمر الدين أعز وأشرف من أمر الدنيا وأن أعظم الأشياء قدرا من بين أمور الدين هو القرآن لأنه ثبت به نبوة سيد المرسلين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل. فلما خص اللّه تعالى تلك الليلة بإنزاله فيها كانت لذلك كثيرة الخير والبركة ولو لم يكن فيها إلا إنزال القرآن الذي فيه خير الدين والدنيا لكفى ذلك بركة وشرفا لها مع أن لها شرفا وقدرا عظيما من وجوه أخر: كنزول الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وقسم النعم والأرزاق وفصل الأقضية.

روي أن الملائكة تنزل إلى الدنيا ليلة القدر ومعهم جبريل بالرحمة من اللّه تعالى والسّلام على أوليائه فيسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر اللّه تعالى. وروي عنه عليه الصلاة والسّلام: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» والعمل فيها بطاعة اللّه أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيه ليلة القدر أي من العمل في ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. وليلة القدر سميت بذلك لكونها ليلة تقدير الأعمال والأرزاق والآجال ومعنى تقديرها إظهار مقاديرها وإثباتها في النسخ ودفعها إلى جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: سميت بذلك لكونها ليلة العظمة وهي ليلة جليلة القدر عظيمة الأمر فهي خير من ألف شهر. قال ابن عباس: تقضي الأقضية كلها ليلة النصف من شعبان وتسلم إلى أربابها من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت