حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 499
حيث إن الفرق به أو حالا من أحد ضميري «أَنْزَلْناهُ» بمعنى آمرين أو مأمورا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ بدل من «إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ» أي إنا أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم. ووضع الرب موضع الضمير للإشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك فإنه أعظم أنواع التربية أو علة ليفرق أو أمر أو رحمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى الشأن أيضا لأن ذكر الملزوم في قوة ذكر اللازم، فلذلك عطف عليه قوله: «وأن يكون المراد به مقابل النهي» . ثم بيّن أن انتصابه على تقدير أن يكون المراد به ما يقابل النهي إما على أنه مفعول مطلق ليفرق، أو لفعله المضمر، أو على أنه حال من أحد الضميرين، وكونه مصدرا «ليفرق» إما مبني على أن المعنى فيها يفرق كل شأن حكيم فرقا أو يؤمر بكل ذلك أمرا من عندنا وذلك لأن معنى قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أن كل ذلك يؤخذ ويفصل ويستنسخ من اللوح المحفوظ وهو بمعنى فيها يؤمر بكل شأن ذي حكمة لأنه تعالى إذا قضى بالشيء وقدره أي أظهر قدره وأثبته في نسخ الملائكة فقد أوجبه كما إذا أمر به فيكون فرقا وأمرا بمعنى واحد، فلذلك صح أن يوضع «أمرا» موضع «فرقا» وأن يوضع «يفرق» موضع «يؤمر» . والمصنف أشار إلى كونهما بمعنى واحد بقوله: «من حيث إن الفرق به» أي من حيث إن فرق الشأن الحكيم من اللوح وثباته في نسخ الملائكة يكون بإيجابه والأمر به، فيكونان بمعنى واحد. وإن كان حالا من فاعل «أنزلناه» أو مفعوله يكون المعنى على الأول آمرين وعلى الثاني مأمورا، وعلى التقديرين لا يكون «من عندنا» صفة «لأمرا» بل يكون متعلقا «بيفرق» أو يكون صفة لمصدر محذوف مؤكد لأمر أي آمرين أمرا كائنا من عندنا.
قوله: (أي إنا أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب) ولما كان المبدل منه وهو قوله: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ استئنافا يقصد به تعليل الإنزال كان المقصود بالبدل أيضا ذلك، ولم يتعرض للمبدل منه إشعارا بكونه في حكم الساقط وأن المقصود هو المبدل وزاد قوله بالكتب ليصح كونه تعليلا للإنزال. قوله: (لأجل الرحمة عليهم) إشارة إلى أن انتصاب «الرحمة» على أنها مفعول له للإرسال ولو جعل انتصابها على أنها مفعول به لقوله:
«مرسلين» لكان له وجه غايته أن تجعل الرسل أنفسهم رحمة للمبالغة. إلا أن المصنف لم يلتفت إليه لأن المبدل منه لما لم يعتبر فيه تعلق الفعل بالمفعول به بل كان معناه إنّا كنا فاعلين الإنذار كان المناسب أن لا يعتبر تعلق الفعل به في البدل أيضا ويكون معناه إنّا كنا فاعلين الإرسال ليتطابق البدل والمبدل منه في أن كل واحد منهما منزل منزلة اللازم. قوله:
(أو علة ليفرق أو أمرا) عطف على قوله: «بدل» أي ويحتمل أن يكون قوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ استئنافا لبيان علة فرق كل شأن حكيم من اللوح أي لبيان علة الأمر به فقوله: أو