حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 502
فَارْتَقِبْ فانتظر لهم يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) يوم شدة ومجاعة، فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، أو لأن العرب تسمي للشر الغالب دخانا. وقد قحطوا حتى أكلوا جيف الكلاب وعظامها وإسناد الإتيان إلى السماء لأن ذلك يكفه عن الإمطار.
أو يوم ظهور الدخان المعدود من أشراط الساعة. كما روي أنه عليه السّلام لما قال:
«أول الآيات الدخان ونزول عيسى ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر» قيل: وما الدخان؟ فتلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الآية. وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أماله المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره أو يوم القيامة» . والدخان يحتمل المعنيين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجيف والعظام المحرقة، وذلك أنه لما عاندوا وأبوا عن متابعة الحق وكذبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا عليهم فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فأصابهم ذلك بسبب دعائه عليه الصلاة والسّلام. والمصنف اختار هذا القول ثم أشار إلى أن إطلاق الدخان على شدة القحط وغلبة الجوع إما كناية حيث أطلق اللازم وأريد الملزوم، أو مجاز مرسل حيث أطلق المسبب وأريد السبب فإن شدة القحط والجوع مستلزمة وسبب لأن يرى الهواء مظلما كالدخان، إما من ضعف البصر من شدة الجوع وإما لتكدر الهواء بسبب غلبة اليبس على الأرض وكثرة ما تصاعد منها إلى الهواء من الغبار المكدر، وإما لأن العرب يجعلون الدخان والظلمة استعارة للشر الغالب من حيث إن كل واحد منهما يمنع تمام الإبصار والسماء لا تأتي بالقحط والمجاعة فإسناد إتيانهما إليها من قبيل إسناد الحكم إلى سببه لأنهما يحصلان بعدم إمطار السماء. قوله: (أو يوم ظهور الدخان المعدود من أشراط الساعة) عطف على قوله: «يوم شدة ومجاعة» فعلى هذا يكون الدخان مستعملا في معناه الحقيقي وهو دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة فتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار مع الدخان وليس فيه فرجة يخرج منها الدخان. قوله: (تخرج من قعر عدن أبين) في الصحاح: أبين اسم رجل نسب إليه عدن فقيل: عدن أبين ويقال: فلان أبين من فلان أي أفصح منه. قوله: (أو يوم القيامة) عطف على قوله: «يوم شدة» أيضا أي ويحتمل أن يكون المراد بالدخان نفس يوم القيامة كما يحتمل أن يراد معناه الحقيقي. وإطلاق الدخان على يوم القيامة من قبيل إطلاق اللازم وإرادة الملزوم وهو يوم القيامة فإنه لشدة أهواله يظلم العين بحيث لا يرى الإنسان فيه أينما توجه إلا الظلمة مستولي عليه وكان الفضاء كله مملوء دخانا.
وأنكر ابن مسعود رضي اللّه عنه أن يكون المراد بالدخان غير ما أصاب أهل مكة من شدة الجوع واحتج عليه بأنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا