حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 506
إضمار القول.
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا أي فقال: أسر أو قال: إن كان الأمر كذلك فأسر.
وقرأ نافع وابن كثير بوصل الهمزة من «سرى» إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم. وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكتا على هيئته بعد ما جاوزته ولا تضربه بعصاك ولا تغير منه شيئا ليدخله القبط.
إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) وقرئ بالفتح بمعنى لأنهم.
كَمْ تَرَكُوا كثيرا تركوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) محافل مزينة ومنازل حسنة.
وَنَعْمَةٍ وتنعم كانُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوم مجرمون. سماه دعاء مع أنه ليس بدعاء صريح لأنه دعاء عليهم على سبيل التعريض كأنه قيل: إنهم قوم تناهى أمرهم في الكفر والعصيان وأنت أعلم بهم فافعل بهم ما يستحقونه.
قرأ العامة «أن هؤلاء» بفتح «أن» على إضمار حرف الجر. قوله: (أي فقال أسر أو قال إن كان الأمر كذلك فأسر) ولما كان عطف قوله: «فأسر» على قوله: «فدعا ربه» من قبيل عطف الإنشاء على الإخبار بحسب الظاهر ذكر له وجهين: الأول أن يضمر القول بعد الفاء أي فقال اللّه تعالى أسر بعبادي ليلا، والثاني أن يكون «فأسر» جواب شرط محذوف كأنه قيل: قال اللّه تعالى إن كان الأمر كما نقول فاسر. وقرئ «فاسر» بقطع الهمزة ووصلها على أن سرى وأسرى لغتان بمعنى أنه سار به ليلا.
قوله: (مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكنا) يعني أن الزهو مصدر إما من قولك: رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح، أو من قولك: رها البحر أي سكن يقال: افعل ذلك رهوا أي راهيا ساكنا. فقوله: الْبَحْرَ رَهْوًا من قبيل رجل عدل أي راهي ساكن، أو وصف البحر بالمصدر للمبالغة، أو بتقدير ذي رهو. والفجوة الفرجة المتسعة بين الشيئين أي اتركه على حاله منفتحا متفرقا بين كل فرقين منه طريق متسع يابس. وكان موسى عليه الصلاة والسّلام أمر بضرب البحر بعصاه حتى ينفلق طرقا وقام كل فرق في الهواء كالطود العظيم، فلما عبر هو وبنو إسرائيل سالما خاف أن يدخله القبط مع فرعون ويعبروا كما عبر هو وأصحابه، وأراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه أولا فانفلق فأمر أن يتركه منفتحا ساكنا على حاله وهيئته من انتصاب الماء في الهواء وكون الطريق يبسا ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه جميعا أطبقه اللّه تعالى عليهم فيغرقهم أجمعين. قرأ العامة «إنهم مغرقون» بكسر همزة «إن» على الاستئناف أخبر اللّه تعالى موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه فيترك البحر على حاله. قوله:
(كثيرا تركوا) يعني أن «كم» خبرية للتنكير منصوبة المحل «بتركوا» . وفي الآية اختصار والمعنى: ففعل موسى ما أمر به من ترك البحر رهوا فدخله فرعون وقومه فانطبق البحر عليهم فأغرقوا جميعا فحين ذلك تركوا بساتين كثيرة وكذا وكذا. والنعمة بكسر النون ما أنعم به عليك وبفتحها التنعم وغضارة العيش.