حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 509
لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار عن مثل ما حل بهم. لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية ولا قصد فيه إلى إثبات ثانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النعمة لأن الآية التي آتاها اللّه تعالى بني إسرائيل كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ونحو ذلك نعم جلية أي ظاهر كونها نعمة ولم ينفرد بها موسى عليه الصلاة والسّلام بل لكل واحد من بني إسرائيل حظ منها، وأن يكون بمعنى الاختبار لأنه تعالى كان يمتحن بإيتائها إياهم وينظر كيف يعملون فإن قيل: إن كان المراد بالآيات فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ونحوها فلا شك أنها في أنفسها نعم جلية، فما معنى قوله تعالى: ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ أي نعمة جلية؟ قلت: لعل الكلام من قبيل قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [فصّلت: 28] من حيث إن كلمة «في» للتجريد. قوله: (لأن الكلام فيهم) لأن اللّه تعالى لما حكى عن مشركي قريش أنهم تولوا وأعرضوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وطعنوا فيه حيث قال: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ [الدخان: 13] ثم تولوا عنه وقالوا: معلم مجنون وهددهم بقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ وضرب لهم مثلا قوم فرعون ومجيء رسول كريم إليهم وصدهم إياهم وتدمير اللّه تعالى إياهم وقطع دابرهم اعتبارا واتعاظا، ذكر من قبائحهم ما هو أعظم من الأول وهو تكذيب اللّه تعالى إياهم لأنهم يقولون: لا بعث ولا حسب ولا جزاء، فظهر بهذا أن الكلام فيهم وأن قصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار من مثل ما حل بهم.
قوله: (ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى) جواب عما يقال: القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية أي البعث بعد الموت وليس النزاع إلا فيه فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أي بمبعوثين بعد الموت يقال: أنشر اللّه الموتى ونشرهم إذا بعثهم وقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى يؤذن أن يكون النزاع في الموت بأن يكون المسلمون يثبتون موتة ثانية وهم ينفونها بحصر الموتة في الأولى وليس الأمر كذلك. وتقرير الجواب أن ما ذكر إنما يلزم أن لو كان المعنى ما الموتة الأولى وليس كذلك بل المعنى ما العاقبة إلا الموتة الأولى يقصدون به إنكار البعث بعد الموت، كما لو قالوا: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام: 29] وذلك أنهم لما أخبروا بأن عاقبة حياتكم هذه ونهايتها أمران الموت ثم البعث، أنكروا ذلك بحصر نهاية الأمر في الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيا. وتوصيف الموتة بالأولى لا يستدعي أن يثبت الخصم موتة ثانية فيقصدوا بذلك إنكارها لأن كون الشيء أولا لا يستلزم وجود ما كان آخرا بالنسبة إليه كما في قولك: حج زيد الحجة الأولى ومات وكما لو قال: أول عبد أملكه فهو حر فملك عبدا عتق سواء ملك