حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 524
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي تلك آيات دلائله. نَتْلُوها عَلَيْكَ حال عاملها معنى الإشارة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يزول بالتشكيك بخلاف اليقين، ثم مرتبة استحكام العلم وقوة اليقين فإن مرتبة اليقين متفاوتة بالكمال والنقصان بحسب كثرة الدلائل وإمعان النظر فيها، فإن النظر الصائب كلما تكرر وتجدد استحكم العلم وقوي اليقين. وعبّر عن هذه المرتبة بقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لأن العقل المطلق ينصرف إلى الكامل الذي تم استعداده للاستفاضة من المبدأ العالي الفياض. ثم إن الآيات والدلائل المذكورة في هذه الآيات الكريمة مختلفة الدقة والظهور أظهرها السموات والأرض فالنظر الصحيح فيها يفيد العلم بأنها مصنوعة لا بد لها من صانع قادر على ما يشاء فيؤدي إلى الإيمان باللّه تعالى والإقرار بوحدانيته، وأدق منها خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال ومن هيئة إلى هيئة، وخلق ما على الأرض من صنوف الحيوانات والدواب من حيث إن التفكر فيها وأحوالها يستلزم ملاحظة السموات والأرض لكونها من أسباب تكون الحيوانات وانتظام أحوالهم. ولما كانت هذه الآية أدق بالنسبة إلى الأولى كان التفكر فيها مؤديا إلى مرتبة اليقين، وأدق من هذه الآية الثانية سائر الحوادث المتجددة في كل وقت وأوان من نزول المطر وحياة الأرض بعد موتها وغير ذلك من حيث إن استقصاء النظر في أحوال هذه الحوادث يتوقف على ملاحظة السموات والأرض لكونهما من أسباب هذه الحوادث ومحالها وعلى ملاحظة الحيوانات المبثوثة على الأرض من حيث إن تجدد هذه الحوادث إنما هو لانتظام أحوالها وتحقق أسباب معاشها. ولما كانت هذه الآية الثالثة أدق بالنسبة إلى الأوليين وكانت متجددة حينا فحينا بحيث تبعث على النظر والاعتبار وكلما تجددت كان النظر فيها مؤديا إلى استحكام العلم وقوة اليقين فلذلك جعل قوله:
لِلْمُؤْمِنِينَ فاصلة للآية الأولى وقوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فاصلة للثانية وقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فاصلة للآية الثالثة وظهر بهذا التقرير أن المراد بالمؤمنين والموقنين والعاقلين من يؤول حالهم إلى هذه الأوصاف. ونظيرها قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] فإن الكتاب هدى للناس كلهم إلا أن الانتفاع والاهتداء به لما كان مخصوصا بالمتقين أي الصائرين إلى التقوى قيل: هدى للمتقين. فكذا الأمر هنا فإن الصائرين إلى الإيمان نظروا في السموات والأرض وآمنوا، والصائرين إلى الإيقان نظروا في أنفسهم وفي الدواب المبثوثة في الأرض فأيقنوا، والناظرين في اختلاف الحوادث المتجددة استحكم يقينهم بسببه. ثم إنه تعالى أشار إلى هذه الآيات وحكم عليها بأنها دلائله حال كونها متلوة على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أسند التلاوة إلى نفسه لكونه سببا حاملا لجبريل على تلاوته. وقوله: «بالحق» حال من الفاعل أي ملتبسين بالحق أو من المفعول أي ملتبسة به. ويجوز أن تكون للسببية فتتعلق بنفس نتلوها أي نتلوها بسبب الحق وإقامته بين الخلق والفاء في قوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ جزائية أي