حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 526
يَسْمَعْها أي كأنه فخففت وحذف ضمير الشأن والجملة في موقع الحال أي يصر مثل غير السامع فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8) على إصراره والبشارة على الأصل أو التهكم.
وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا وإذا بلغه شيء وعلم أنه منها اتَّخَذَها هُزُوًا لذلك من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزؤ والضمير لآياتنا، وفائدته الإشعار بأنه إذا سمع كلاما وعلم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على ما سمعه أو لشيء لأنه بمعنى الآية أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ من قدامهم لأنهم متوجهون إليها أو من خلفهم لأنه بعد آجالهم. وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ولا يدفع ما كَسَبُوا من الأموال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقانه إياها بالغ في مدحه بالشجاعة بأنه يقدم على غمرات الموت وشدائده بعد رؤيتها، والغماء الشدة وغمرات الموت شدائد الحرب. ثم إنه تعالى لما بيّن شناعة من لم يؤمن بآيات اللّه بقوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بعده اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ أي إذا لم يؤمنوا بها مع ظهور كونها من آياتنا اتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أي كذاب. قوله: (والبشارة على الأصل أو التهكم) فإن البشارة قد تطلق على الإخبار بالخبر النافع المفيد للفرح والسرور مطلقا أي سواء قرنت بما يوجب المسرة أو بما يوجب الحزن والمساءة وقد تطلق على الشر والخبر المؤلم إذا قرنت به كما في هذه الآية. قال الجوهري: البشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21؛ التوبة: 34؛ الانشقاق: 24] فعلى الأول تكون البشارة المذكورة في هذه الآية محمولة على التهكم وعلى الثاني تكون على أصل معناها وهو الإخبار بالشر حيث ذكرت مقارنة له. ثم إنه تعالى وصف الأثيم المذكور أولا بأنه يصر على الإنكار والاستكبار عن الإيمان بالآيات معجبا بما عنده. قيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث وكان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. وسبب نزولها وإن كان خاصا إلا أنها عامة في كل من كان موصوفا بالصفة المذكورة. ثم وصفه ثانيا بأنه ينتقل من مقام الإصرار والاستكبار إلى مقام الاستهزاء فقال: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا.
قوله: (لذلك) أي لعلمه أنه من آياتنا. قوله: (وفائدته) أي وفائدة العدول عن الظاهر. وكان الظاهر أن يقال: اتخذه هزؤا أي اتخذ ذلك الشيء الواحد الذي بلغه، إلا أنه تعالى قال:
اتَّخَذَها أي اتخذ آياتنا هُزُوًا للإشعار بأنه لا يقتصر على الاستهزاء بذلك الشيء الواحد الذي بلغه بل يخوض في الاستهزاء بجميع الآيات التي أنزلها اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
ويجوز أن يكون ضمير «اتخذها» للشيء وتأنيثه لكون الشيء بمعنى الآية. قوله: (من قدامهم) قال صاحب الكشاف: الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص أي يسترها من خلف كانت أو قدام، وجعل الوراء في الآية بمعنى القدام لأن شخص الكافر يواري جهنم إذا نظر