حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 529
علة للأمر. والقوم هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو الشيوع والكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «لنجزي» بالنون. وقرئ «ليجزي قوما» و «ليجزي قوما» أي ليجزي الخير أو الشر أو الجزاء أعني ما يجزى به لا المصدر فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف.
مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها إذ لها ثواب العمل وعليها عقابه. ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) فيجازيكم على أعمالكم.
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (علة للأمر) أي للأمر بالمغفرة كأنه قيل: إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم اللّه جزاء مغفرتهم يوم القيامة. قوله: (فيكون التنكير الخ) نشر على ترتيب اللف فإن أريد بالقوم المؤمنون المذكورون بقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا كان الظاهر أن يقال: ليجزيهم أو ليجزي القوم معرفا تعريف العهد إلا أنه نكّر تعظيما لشأنهم، كأنه قيل: ليجزي قوما أي قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن الأذيات وتجرع المكاره والصبر عليها. وإن أريد به الكفار المذكورون بقوله: لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ يكون وجه التنكير تحقيرهم، وإن أريد به كلا الفريقين يكون التنكير للشيوع والإبهام وكذا قوله: «والكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمها» فإنه من قبيل اللف والنشر المرتب. قوله: (وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي لتجزي بالنون) أي بنون العظمة كأنه قيل: قل لهم اغفروا واصفحوا عمن آذاكم ولا تكافئوهم بأذيتهم حتى نكون نحن الذين نجازيهم ونكافيهم. وباقي السبعة قرأ و «ليجزي» بياء الغيبة مبنيا للفاعل أي ليجزي اللّه وقرئ «ليجزي» قوم بالياء التحتية مبنيا للمفعول ورفع «القوم» لقيامه مقام الفاعل و «ليجزي قوما» على بناء المفعول ونصب «قوما» على معنى ليجزي الخير أو الشر قوما بإسناد الفعل إلى ضمير المفعول الثاني، فإن المفعول الثاني للأفعال التي تتعدى إلى اثنين يجوز إقامته مقام الفاعل تقول: أعطى درهم زيد، أو جزى يتعدى إلى اثنين تقول:
جزيت فلانا الخير فإذا بنيته للمفعول أقمت أيهما شئت مقام الفاعل، وأضمر ههنا الخير أو الشر لدلالة قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ عليه. قوله: (أو الجزاء أعني ما يجزي به) أي ويجوز أن يضمر الجزاء بمعنى ما يجزى به. فإن الجزاء قد يستعمل بمعنى ما يجزى به كما في قوله تعالى: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ [البينة: 8] لا الجزاء الذي هو مصدر جزيته بما صنع لأنهم قالوا: إقامة المصدر مقام الفاعل ضعيف مطلقا لا سيما مع وجود المفعول به فإنه إذا وجد المفعول به تعيّن لأن يقوم مقام الفاعل. وعلى تقدير إقامة المصدر مقامه في الجملة فإنما يقوم مقامه بشرط أن لا يكون لمجرد التأكيد فلا يقال: ضرب ضرب لعدم الفائدة فيه، فإن الشيء إنما يقام مقام الفاعل إذا أفاد إسناد الفعل إليه فائدة جديدة زائدة على ما أفاده الفعل فلا يقال: ضرب ضرب وإنما يقال: ضرب ضربة أو ضرب شديد أو الضرب