حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 530
التوراة وَالْحُكْمَ والحكمة النظرية والعملية أو فصل الخصومات. وَالنُّبُوَّةَ إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم. وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ مما أحل اللّه من اللذائذ.
وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16) حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفلاني ونحو ذلك. وإذا كان الجزاء الذي أسند إليه قوله: «يجزى» بمعنى ما يجزى به يكون مفعولا ثانيا لا مصدر أو قوله ليجزي الخير أو الشر أو الجزاء من قبيل اللف والنشر المرتب أيضا، فإن إضمار الجزاء بمعنى ما يجزى به مبني على أنه يراد بالقوم العام المتناول للمؤمنين والكافرين ويكون تنكيره للشيوع والإبهام والمراد بالكسب ما يعم العفو والإساءة. ثم إنه تعالى لما ذكر إجمالا أن المرء يجزى بكسبه بين أن من كسب صالحا كالعفو عن المسيء فإنه يثاب وأنه هو المنتفع بكسبه، ومن كسب الإساءة يعاقب ويتضرر بكسبه، وأنه تعالى إنما أمر بالصالح ونهى عن السيئة رحمة للمكلف لا لنفع يعود إليه تعالى. ثم لما بيّن أن نفع العمل الصالح للعامل وأن مضرة العمل السيئ عليه بيّن أن ذلك النفع والضر إنما يكون بالمراجعة إلى مقام العرض والحساب، ثم بيّن أن طريقة قومه عليه الصلاة والسّلام كطريقة من تقدم من الأمم فإنه تعالى أنعم على بني إسرائيل نعما كثيرة من نعم الدين والدنيا ومع ذلك لم يشكروا تلك النعم بل اختلفوا في أمر الدين بعد ما جاءهم العلم بحقيقة الحال على سبيل البغي والحسد حيث طلب كل فريق أن يكون هو الرئيس المتبوع حسدا واتباعا للهوى، فصاروا إلى التعادي والتضارب وقتل الأنبياء. ومن حق العلم بحقيقة الحال أن يكون سببا للاتفاق على الحق وارتفاع الخلاف وكان علمهم بها سببا لحصول الاختلاف فكذا كفار قومه عليه أفضل الصلاة والسّلام جاءتهم أدلة واضحة دالة على حقيقة دينه عليه الصلاة والسّلام ثم أصروا على الكفر واستكبروا عن الإيمان والطاعة عداوة وحسدا.
قوله: (حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم) إشارة إلى أنه لا حاجة إلى تخصيص العالمين بعالمي زمانهم بناء على أن الظاهر أن المراد تفضيلهم بما يختص بهم من الفضائل من كثرة الأنبياء منهم فإن عدد الأنبياء فيما بين يوسف وعيسى عليه الصلاة والسّلام لا يعلمه إلا اللّه، فهذه الفضيلة مختصة ببني إسرائيل غير موجودة في غيرهم فهم مفضلون من هذا الوجه على سائر الأمم. ومما يختص بهم فلق البحر وإغراق عدوهم فيه بأسرهم وإنزال المن والسلوى وانفجار ثنتي عشرة عينا من حجر صغير إلى منازل الأسباط الاثني عشر في مدة احتباسهم في التيه ونحو ذلك، وليس المراد تفضيلهم على العالمين بحسب الدين والثواب. قال الإمام محيي السنة في تفسير العالمين: أي عالمي زمانهم. قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على اللّه عز وجل ولا أحب إليه منهم. إلى هنا كلامه.