حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 567
وبينهم ولو قدر: قال اللّه بل هو ما استعجلتم به لانفك النظم. قوله: (هي ريح الخ) يعني أن قوله: «ريح» يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي ريح، وأن يكون بدلا من ما في قوله: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ. قوله: (وقرئ يدمر كل شيء) بالياء التحتانية المفتوحة وسكون الدال وضم الميم ورفع «كل» على أنه فاعل «يدمر» من دمر الشيء يدمر دمارا إذا هلك وعلى هذه القراءة يكون العائد إلى الموصوف محذوفا والتقدير يدمر كل شيء بهبوبها عاصفة، ويجوز أن يكون العائد الضمير المجرور في «ربها» . ويحتمل أن لا تكون الجملة صفة بل استئنافا وقوله: «كل شيء» عبارة عن الكثرة لأنه كم من شيء لم تدمره تلك الريح وكون التدمير بأمر رب الريح معناه أن الدمار ليس يقتضيه طبيعة الريح لذاتها وليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات أيضا بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة اللّه تعالى لأجل تعذيبكم.
قوله: (إذ لا توجد نابضة حركة) علة لكون كل ممكن ليس له قيام بنفسه يقال: نبض العرق أي تحرك. قوله: (وفي ذكر الأمر والرب وإضافته إلى الريح فوائد) فإن الريح ليست من العقلاء المميزين حتى تكون مأمورة بالتدمير من قبله تعالى وأنه تعالى رب كل شيء وليست ربوبيته بالنسبة إلى الريح فقط حتى يضاف الرب إليها إلا أنه أضيف إليها الرب للدلالة على عظم شأنها بكونها منسوبة إليه تعالى ومظهرا من مظاهر قدرته وعلى عظم شأن خالقها، ويكون مثل هذا الشيء العظيم مملوكا له تعالى ومنقادا لتصرفه، فإن تصريفه تعالى إياها من جهات مختلفة على وجوه متباينة يدل على كمال قدرته ونفاذ مشيئته. وأكد هذا المعنى بذكر الأمر وجعلها مأمورة من قبله عز وجل تشبيها لها بالعقلاء المميزين الذين لا يتوقفون في امتثال أمر الآمر المطاع من حيث كونها منقادة مطاوعة لإرادة اللّه تعالى وتكوينه فيها ما شاء.
روي أنه احتبس عنهم المطر أياما فبعثوا قوما إلى الكعبة للاستسقاء فجاؤوها فاستسقوا لقومهم وأظهر اللّه تعالى لهم ثلاث قطع من السحاب على ألوان مختلفة فقيل لهم: اختاروا لقومكم واحدة من هذه القطع فاختاروا قطعة سوداء منها وقالوا: إنها أكثر مطرا. فساقها اللّه تعالى إلى ديارهم فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا فقالوا:
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فأجابهم هود بأن قال: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ لقولكم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فرأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت الأبواب وصرعتهم وأمالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين. ثم أمر اللّه تعالى الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم ورمت بهم في البحر ولم يبق إلا هود ومن آمن به وكانوا قد اعتزلوا منهم ودخلوا في حظيرة. وكانت التي تصيبهم ريحا طيبة هادية