حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 574
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَ ولم يتعب ولم يعجز والمعنى: أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد. بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى أي قادر. ويدل عليه قراءة يعقوب يقدر والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على «أن» وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله: بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) تقريرا للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود كأنه لما صدر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ منصوب بقول مضمر مقوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ والإشارة إلى العذاب قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) بكفركم في الدنيا ومعنى الأمر هو الإهانة بهم والتوبيخ لهم.
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أولوا الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم و «من» للتبيين. وقيل: للتبعيض و «أولوا» العزم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وقيل: الصابرون على بلاء اللّه كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر وموسى قال له قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ وداود بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة صلّى اللّه عليهم أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قادرا على البعث بأن خلق ما ذكر أدون من إعادة الشخص حيا والقادر على الأكمل لا بد أن يكون قادرا على ما دونه. قوله: (ولم يتعب ولم يعجز) يقال: عيى بالأمر يعيى من باب علم يعلم إذا تحير فيه ولم يهتد لوجهه وعجز عنه، وهو كقوله تعالى: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38] وهو التعب والإعياء تقول منه: لغب يلغب لغوبا من باب دخل. قوله: (أي قادر) إشارة إلى أن قوله تعالى: بِقادِرٍ في موضع الرفع على أنه خبر «إن» وزيدت الباء في خبر «إن» مع أنها لا تزاد في الكلام الخبري إلا إذا كان مشتملا على النفي ب «ليس» أو ب «ما» نحو: ليس زيد براكب أو ما زيد براكب، بناء على أن المقصود إثبات القدرة لا إثبات الرؤية. فإن الاستفهام الإنكاري في أَوَلَمْ يَرَوْا متوجه إلى نفي القدرة لا إلى نفي الرؤية، وأن النفي المذكور في أول الآية مشتمل على «أن» وما في حيزها فكأنه قيل: أليس هو بقادر؟ إلا أن أداة النفي أدخلت على فعل الرؤية للدلالة على أن نفي القدرة مع كون ثبوتها ظاهرا بينا بعيد عجيب، فكأنه قيل: قدرة من هذا شأنه على البعث بينة محسوسة فكيف لا يبصرونها وينفونها؟ ولما كان الإنكار والتعجب المطلق لنفي الرؤية ظاهرا متعلقا بنفي القدرة بحسب المعنى صح دخول الباء في خبر «إن» كما صح دخولها في خبر «ليس» في قولنا: