حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 594
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ أي قال اليهود الذين كفروا بالنبي بعد ما تبين لهم نعته للمنافقين أو المنافقون لهم، أو أحد الفريقين للمشركين سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا، والتظافر على الرسول وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (26) ومنها قولهم: هذا الذي أفشاه اللّه عليهم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص «أسرارهم» على المصدر.
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ فكيف يعملون ويحتالون حينئذ. وقرئ «توفاهم» وهو يحتمل الماضي والمضارع المحذوف إحدى تاءيه.
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (27) تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما تبيّن لهم حقيقة الإسلام وأحكامه. وعلى التقديرين: فالمراد بالذين كرهوا الفريق الآخر أو المشركون، فإن كان التقاول جاريا بين أحد الفريقين والمشركين فهم لا يتوافقون في التوحيد والإقرار بالكتاب والنبي والحشر وما يتفرع عليه، فإن المشركين لا يقولون بشيء من ذلك بخلاف كل واحد من الفريقين فإن عامة المنافقين من اليهود وهم أهل كتاب فكل واحد من الفريقين لا يوافق المشركين إلا في بعض الأمر كالتكذيب برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والتعاون على محاربته وعداوته، فإن اليهود اتفقوا مع المشركين يوم الأحزاب. وإن كان التقاول بين أحد الفريقين والآخر بأن يكون القائل المنافقين فبعض الأمر ما يسرونه إلى اليهود مما يتعلق بعداوة الرسول وقول المنافقين كقريظة والنضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلئن قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ والقعود عن الجهاد قالوا: كل ذلك سرا فيما بينهم، فاخبر اللّه تعالى به عنهم وأعلم أنه يعلم ذلك وغيره من أسرارهم فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ وقيل: الأظهر أن قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ أي ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنهم كانوا مكابرين معاندين في إنكار نبوته ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم. قوله: (أو في بعض ما تأمرون به) على أن يكون الأمر واحد الأوامر وعلى الأول يكون واحد الأمور. قوله:
(فكيف يعملون ويحتالون حينئذ) إشارة إلى أن عامل الظرف محذوف والتقدير ما ذكره.
وقوله: «يضربون» حال من الفاعل ويجوز كونه حالا من المفعول أيضا، فإنهم إنما كرهوا القتال وأطاعوا من أمرهم بتركه والقعود عنه خوفا من أن يضربوا من جهة وجوههم أن يثبتوا ومن جهة أدبارهم أن يفروا، فكأنه قال: إن كرهتم ما أمرتم به من قتال الكفار خوفا من أن تضربوا من قبل وجوهكم وأدباركم فكيف تحتالون في الخلاص مما تخافون منه إذا توفتكم الملائكة ضاربين وجوهكم وأدباركم؟ فإن كل من يتوفى على معصية اللّه تعالى فملائكة العذاب لا يقبضون روحه إلا بأن يضربوا وجهه ودبره كما روي ذلك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما. قوله: (تصوير لنوفيهم) يعني أن المقصود من تقييد توفيهم بقوله: يَضْرِبُونَ