حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 596
الْقَوْلِ جواب قسم محذوف ولحن القول أسلوبه أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية.
ومنه قيل للمخطئ: لاحن لأنه يعدل الكلام عن الصواب. ولو وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (30) فيجازيكم على حسب قصدكم إذ الأعمال بالنيات.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة. حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ على مشاقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس من المسلمين فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق. واللام في قوله: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ لام جواب قسم محذوف كأنه ولتعرفنهم واللّه الآن. وقيل: تعرف سيماهم وصورهم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أي أسلوبه في مخاطباتهم لك فإنهم لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم بل يخرجون كلامهم على أسلوب يدل فحواه ومعناه على فساد باطنهم. يقال: لحنه بالكسر يلحنه بالفتح لحنا أي فهمه. فالمراد من القول قولهم أي لتعرفنهم في لحن القول ومعناه حيث يقولون ما معناه التعليق كقولهم:
عند مجيء النصر إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ [العنكبوت: 10] وقولهم: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ [المنافقون: 8] وقولهم: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ [الأحزاب: 13] ونحو ذلك. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: لحن القول هو قولهم قالوا:
ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إذا عصينا من العقاب. قوله: (أو إمالته إلى جهة تعريض) من قولهم: لحن إليه يلحن لحنا أي نواه ومال إليه. والتعريض أن يضمن الكلام دلالة على ما ليس مذكورا فيه كما تقول في محضر زيد: إن البخل قبيح تريد به أن تصف زيدا بالبخل. وتورية الخبر ستره وإظهار غيره كقول أبي بكر رضي اللّه عنه حين كان يهاجر مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله شخص وقال: من هذا؟ يريده صلّى اللّه عليه وسلّم فقال رضي اللّه عنه:
رجل يهدي الطريق. قيل: كان صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه بقوله. واستدل بفحوى كلامه على فساد دخلته إلا أنه لا يظهر أمره إلى أن يأذن اللّه له في إظهار أمر المنافقين، ولو لم يتميز عنده المنافق من غيره لما صح أن يمنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم. ثم إنه تعالى لما شرح أحوال الكفرة والمنافقين خاطب المؤمنين بقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ وعدا لهم وبيانا لكون حالهم على خلاف حال المنافقين، فإن المنافق له قول بلا عمل والمؤمن يعمل ولا يقول به وإنما قوله ذكر اللّه تعالى وما فيه صلاح نفسه وغيره. ثم قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي ولنعاملنكم معاملة المختبر حتى نعلم من أطاع أمرنا بأنه قد تحقق منهم الإطاعة كما علمناهم بأنهم سيطيعون، فإن الثواب والعقاب إنما يترتبان على العلم الذي يكون بعد وجود الإطاعة والعصيان لا على العلم بأنهما سيوجدان.