حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 606
وفزع به رسول اللّه عليه السّلام لسائر العرب فعزاهم وفتح مواضع وأدخل في الإسلام خلقا عظيما. وظهر له في الحديبية آية عظيمة وهي أنه نزح ماؤها بالكلية فتمضمض ثم مج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. أو فتح الروم فإنهم غلبوا على الفرس في تلك السنة وقد عرف كونه فتحا للرسول عليه السّلام في سورة الروم. وقيل:
الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل.
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إزاحة الشرك وإعلاء الدين، وتكميل النفوس ألنا قصة قهرا ليصير ذلك بالتدريج اختيارا وتخليص الضعفة من أيدي الظلمة.
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ جميع ما فرط منك مما يصح أن يعاتب عليه. وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة. وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (2) في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحصروا ومنعوا من البيت فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ إلا أنه لما آل الأمر إلى بيعة الرضوان وظهر عند المشركين اتفاق كلمة المؤمنين وصدق عزيمتهم على الجهاد والقتال ضعفوا وخافوا حتى اضطروا إلى طلب الصلح وتحقق بذلك غلبة المسلمين عليهم، مع أن ذلك الصلح كان سببا لأمور أخر كانت متعلقة قبل ذلك منها أن المشركين اختلطوا بالمسلمين بسببه فسمعوا كلامهم وتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في مدة قليلة خلق كثير كثروا سواد أهل الإسلام إلى آخر ما ذكره المصنف. عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه أنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية حيث ترتب عليها من ظهور الإسلام وانتكاس أحوال المشركين ما لا يمكن وصفه فصارت كأنها مبدأ فتح الإسلام. وقد قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلى يوم الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين بعد الصلح فصار ذلك سببا لإسلام خلق كثير في زمان قليل.
قوله: (أو فتح الروم) عطف على «صلح الحديبية» فإن أهل الروم غلبت على أهل فارس في تلك السنة وكانت غلبتهم عليهم من دلائل النبوة حيث كان عليه الصلاة والسّلام وعد بوقوع تلك الغلبة في بضع سنين، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، فكانت كما وعد بها فظهر صدقه عليه الصلاة والسّلام فكانت بذلك فتحا له عليه الصلاة والسّلام. قوله: (علة للفتح من حيث إنه مسبب الخ) يعني أن الغفران علة غائية للفتح متأخرة عنه في الوجود الخارجي، وعلة حاملة عليه بحسب الوجود الذهني كما في قولك: اتخذت السرير ليجلس عليه السلطان، والعلة الغائية للحكم ينبغي أن يكون مسببة عنه وغفران الجرم يظهر كونه سببا للفتح الصادر منه تعالى فكيف يكون علة غائية له؟ إلا أن الفتح لما كان مسببا عن الأفعال الحسنة الصادرة من العبد كالجهاد والسعي في إعلاء الدين وتخليص الضعفة من أيدي الظلمة ونحوها، وكانت تلك الأفعال مسببة عن الغفران من حيث كونه حاملا عليها صح أن يجعل الغفران