حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 607
تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة.
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) نصرا فيه عز ومنعة، أو يعزبه المنصور فوصف بوصفه مبالغة.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الثبات والطمأنينة.
فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حتى يثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الأقدام لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ يقينا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول ليزدادوا إيمانا بالشرائع مع إيمانهم باللّه واليوم الآخر. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علة للفتح بواسطة كونه علة لما هو علة للفتح وهي الأفعال. وجعل المصنف الغفران علة للفتح رد على صاحب الكشاف في قوله: فكيف جعل فتح مكة علة للمغفرة لأن العلة الغائية للحكم متأخرة عنه في الوجود الخارجي كما في قولك: ضربته تأديبا فإن التأديب وإن كان علة للضرب متقدمة عليه في الوجود الذهني إلا أنه غاية له متأخر عنه بحسب الوجود الخارجي إلا أن المقصود بيان كون المغفرة علة للفتح كما يقتضيه دخول لام العلة عليها لا بيان كون الفتح علة لها، فالمناسب للمقام إنما هو عبارة المصنف وفي قوله تبارك وتعالى:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ تعظيم لأمر الفتح من وجهين: أحدهما قوله: إِنَّا والثاني قوله: لَكَ أي لأجل كرامتك عندي ولأجل جهادك في فتح مكة أو صلح الحديبية. وفي إظهار فاعل قوله: «ليغفر لك» و «ينصرك» إشعار بأن كل واحد من المغفرة والنصرة دليل على ألوهيته وكونه معبودا بالحق لا يقدر عليه غيره. قوله: (نصرا فيه عز ومنعة) جواب عما يقال: كيف أسند العزيز إلى ضمير النصر مع أن العزيز من له النصر دونه؟ وتقرير الجواب الأول أن صيغة الفعيل هنا للنسبة فالعزيز بمعنى ذي العزة كما أن راضية في قوله تعالى: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: 21] بمعنى ذات رضى فالمعنى: نصرا ذا عز ومنعة لا ذل ومنعة أي لا يترتب عليه إلا عز المنصور، وكونه ذا منعة تمنعه عن أن يصيبه سوء ومكروه، فإسناد العزيز بهذا المعنى إلى ضمير النصر حقيقة. وتقرير الجواب الثاني أن العزيز هو المنصور وأن ما تعلق به من النصر هو سبب عزته فوصف النصر بوصف متعلقه للمبالغة في عزة المنصور كما يقال: جد جده للمبالغة في جد الفاعل الحقيقي. ثم إنه تعالى لما قال: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا بيّن وجه النصرة فقال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ أي أنزلها تحقيقا للنصر، فإنه تعالى قد ينصر رسله بإهلاك أعدائهم بسبب من الأسباب، وقد ينصرهم بتقوية قلوب أنصارهم بأن يرزقهم رسوخ الاعتقاد وازدياد اليقين فيثبتون على الحق حين تضطرب ضعاف القلوب واليقين، فالسكينة بمعنى السكون والثبات كما أن البهيتة بمعنى البهتان. فالمعنى:
أنزل السكون والطمأنينة في قلوبهم بتقوية يقينهم ليزدادوا يقينا أو بسبب الصلح والأمن ليعرفوا فضل اللّه عليهم بإظهارهم على عدوهم فيزدادوا يقينا.