حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 629
الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ وأشداء جمع شديد ورحماء جمع رحيم، والمعنى: أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: 54] تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا الثواب والرضى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، فعلى من سامه إذا أعلمه وقد قرئت ممدودة و «من أثر السجود» بيانها أو حال من المستكن في الجار. ذلِكَ إشارة إلى الوصف المذكور أو إشارة مبهمة يفسرها كزرع. مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ عطف عليه أي ذلك مثلهم في الكتابين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجليل والأمر الخطير توجه أن يقال: من ذلك الرسول؟ فأجاب عنه على طريق الاستئناف بقوله: هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ثم ابتدأ بقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ تشريفا لهم وكرامة كقوله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 62] . قوله تعالى: (سِيماهُمْ) مبتدأ و «في وجوههم» خبره. ويحتمل أن يكون المراد بالعلامة الثابتة في وجوههم ما يظهر عليها يوم القيامة من النور والبياض كما قال تعالى: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [التحريم: 8؛ الحديد: 12] وقال: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106] فإن من توجه نحو الحق الذي هو نور السموات والأرض لا جرم يقع عليه شيء من نوره كمن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه. ويحتمل أن يكون المراد بها ما يظهر عليها في الدنيا من اصفرار الوجه في النهار من طول السهر وما بقي على الجباه من تراب الأرض، لأنهم كانوا يسجدون على التراب لا على الأثواب، وكهيئة الخشوع والتواضع اللازمة للصلاة فإنه من واظب على الصلاة يبقى عليه آدابها بعد خروجه منها كاستنارة الوجوه بالنهار من طول ما صلوا بالليل كما قال عليه أفضل الصلاة والسّلام: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» ألا ترى أن من سهر بالليل وهو مشغول بالشراب واللعب لا يكون وجهه في النهار كوجه من سهر وهو مشغول بالطاعة والإخلاص! ولما كان السيما العلامة مطلقا وكان المراد بها ههنا العلامة الخاصة المترتبة على كثرة السجود بينها بقوله: مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ فهو صفة موضحة لها ويجوز أن يكون حالا من المنوي في الخبر. قوله: (إشارة إلى الوصف المذكور) وهو كونهم أشداء رحماء ركعا سجدا، وكون سيماهم التي هي أثر السجود ثابتة في وجوههم فقوله تبارك وتعالى: «ذلِكَ» مبتدأ و «مَثَلُهُمْ» خبر و «فِي التَّوْراةِ» حال من «مَثَلُهُمْ» والعامل فيها معنى الإشارة أي ذلك الوصف مثلهم أي وصفهم العجيب الشأن في الكتابين التوراة والإنجيل، فإنهم وصفوا بذلك فيهما ثم ابتدأ فقال: «كزرع» أي هم كزرع.
وقيل: تم الكلام عند قوله: «في التوراة» ثم ابتدئ بأن قيل: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ