حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 636
نزلت تخلف عن رسول اللّه عليه السّلام فتفقده ودعاه فقال: يا رسول اللّه لقد أنزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهور الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط. فقال عليه السّلام:
«لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة» . وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إنها محبطة.
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ يخفضونها عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مراعاة للأدب أو مخافة من مخالفة النهي قيل كان أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما بعد ذلك يسر أنه حتى يستفهمهما أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى جربها للتقوى ومرنها عليها. أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها فإن الامتحان سبب المعرفة. واللام صلة محذوف أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب وعليه درع فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام فقال له: اعلم أن فلانا- وهو رجل من المسلمين- نزع درعي فذهب بها وهو في ناحية كذا من المعسكر وعنده فرس في طوله، وقد وضع على درعي برمة فأت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقل له: إن عليّ دينا يقضي ديني وفلان من رقيقي حر. فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته. قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. قال أبو هريرة وابن عباس رضي اللّه عنهم: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا كأخ السرار. وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي عليه الصلاة والسّلام بعد نزول قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ حديثا إلا استفهمه مما يخفض صوته فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ قوله: (جربها للتقوى) يشعر بأن الامتحان ههنا مستعمل في أصل معناه وهو التجربة. ومن المعلوم أنه لا يجوز إرادة ذلك المعنى ههنا بل المراد بامتحان القلوب بالتقوى وتمرينها عليها وجعلها صفة راسخة فيها بطريق إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، فإن بامتحان الشيء للعمل يستلزم أن يتكرر صدور ذلك العمل منه مرة بعد أخرى وذلك يستلزم تمرنه أي اعتياده واستمراره عليه، والتمرن التعود على الأشياء بحيث يكون قويا فيها متعودا عليها. فقوله تعالى: امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه قوى قلوبهم فيها ومرنها عليها. في الصحاح: مرن الشيء يمرن مرونا إذا لان، ومرن على الشيء يمرن مرونا ومرانة تعوده واستمر، ومرنت يده على العمل إذا صلبت والتمرين التليين إلا أن المصنف فسره بقوله: «جربها للتقوى» ولم يقل عود قلوبهم التقوى وقواها لها ومرنها عليها للإشارة إلى أن اللام في قوله: «للتقوى» صلة قوله:
«امتحن» باعتبار أصل معناه لا لكون امتحن مستعملا في أصل معناه، وأشار بعطف قوله:
«ومرنها عليها» على قوله: «جربها للتقوى» إلى كونه تفسيرا للمرادفة. قوله: (أو عرفها) أي