حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 657
الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على اللّه وفاجر شقي هين على اللّه». إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم خَبِيرٌ (13) ببواطنكم
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين وكانوا يقولون لرسول اللّه. أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون. قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ولم يحصل لكم وإلا لما مننتم على الرسول بالإسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة. وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا فإن الإسلام انقادوا دخول في السلم وإظهار الشهادتين. وترك المحاربة يشعر به. وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. فعدل عنه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم وقد فقط شرط اعتباره شرعا. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ توقيت لقولوا فإنه حال عن ضميره أي لكن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا فإن الإيمان هو التصديق بالجنان مع الثقة بحقيقة الصدق به ويصدق من أخبر ولم يحصل ذلك لكم وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي استسلمنا وانقدنا وأخلصنا. أجازهم أن يقولوا ذلك لقيام ما يدل عليه ويشعر به وهو إظهار الشهادتين وترك المحاربة. قوله: (وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا الخ) وذلك لأن «لكن» للاستدراك وهو يقتضي كلامين متغايرين بالنفي والإثبات، أو بأن يكون أحدهما لطلب الفعل والآخر لطلب تركه وذلك لا يتحقق بأن تكون إحدى الجملتين خبرية والأخرى أمرية كما في هذه، وإنما يتحقق بأن يكونا إنشائيتين إحداهما ناهية والأخرى آمرة بأن يقول:
لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو بأن يكونا خبريتين أولاهما نافية للإيمان وثانيتهما مثبتة للإسلام بأن يقال: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم إلا أنه عدل في الآية الكريمة عن إيرادهما إنشائيتين بأن تكون الأولى ناهية احترازا عن هجنة أن يقول النبي المبعوث للدعوة إلى الإيمان: لا تقولوا آمنا وينهى عن القول بالإيمان وهو لا يليق بأحد فكيف بالنبي؟ وعدل عن أن يقال: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم احترازا عن الجزم بإسلامهم والاعتداد بقولهم الخالي عن مواطأة القلب وهو غير مقبول في الشرع فإن صاحبه ليس بمسلم بل هو منافق. ولا يخفى عليك أن هذا الكلام ليس فيه بيان وجه الاستدراك بل هو بيان لما في التعبير على مقتضى الظاهر من المحذور وأن ما عدل إليه من النظم خال عن ذلك المحذور، فالأولى أن يتعرض لتوجيه الاستدراك بأن يقال: قوله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا في قوة أن يقال: قل لا تقولوا آمنا لأن نفي الإيمان عنهم في مقام ادعائهم للإيمان يتضمن النهي عن ادعائه فصح الاستدراك عنه بقوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا حملا على المعنى كأنه قيل: لم تؤمنوا فتكذبوا ولكن قولوا: أسلمنا لتكونوا صادقين. قوله: (توقيت لقولوا) إشارة إلى جواب ما يقال من أن