حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 664
قوله تعالى: ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: 42] وقوله: كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 11] وقوله: حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ق: 44] فإن العيد يوم الزينة فينبغي أن لا ينسى الإنسان فيه خروجه لعرصات الحساب، ولا يكون في ذلك اليوم فرحا ولا يرتكب فسقا ولا فجورا. وقد كان الشيخ الناسك البارع ابن الوفاء نوّر اللّه مرقده يقرأ هذه السورة الكريمة في جميع خطبه. واعلم أن هذه السورة وسورة «ص» يشتركان في افتتاح الكلام في أولهما بالحرف المعجم والقسم بالقرآن بعده وقوله: بعد القسم «بل» والتعجب. ويشتركان أيضا في أن أول السورتين وآخرهما متناسبان لأنه تعالى قال في أول ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: 1] وقال في آخرها: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وقال في أول ق: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وقال في آخرها: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق: 45] فختمهما بما فتحتا به. وأيضا صدرت العناية في أول السورة من ص إلى تقرير الأصل الأول وهو التوحيد بقوله تعالى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا [ص: 5] وصرفت العناية في هذه السورة إلى تقرير الأصل الآخر وهو الحشر والنبوة لقوله تعالى: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] وقوله: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ واختلف في جواب القسم ما هو؛ فقيل: محذوف يدل عليه أَإِذا مِتْنا والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن حذف الجواب اعتمادا على قرينة مقالية متأخرة عن المقسم به. وقيل: التقدير أن محمدا رسول اللّه فحذف اعتمادا على دلالة قوله بعده: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وقيل: التقدير ما آمنوا به بل عجبوا دل عليه معنى قوله: بَلْ عَجِبُوا وقيل: التقدير والقرآن المجيد أنه كلام معجز دل عليه التحدي بقوله: ق والمضروب عنه «ببل» محذوف أيضا مثل أن يقال: ما عجبوا مما هو عجب في نفس الأمر بل عجبوا مما ليس بعجب. ونقل عن الراغب أن «بل» ههنا لتصحيح الأول وإبطال الثاني أي ليس امتناعكم عن الإيمان بالقرآن لأنه لا مجد له ولكن لجهلكم ونبه بقوله: (بل عجبوا على جهلهم) لأن التعجب من الشيء يقتضي الجهل بسببه ويستلزمه.
قوله: (والمجيد ذو المجد) يعني أن المجد الشرف وتوصيف القرآن بالمجيد إما على أنه من باب السب كتامر ولابن بمعنى ذي تمر ولبن والقرآن ذو شرف على سائر الكتب باعتبار ما فيه من العلوم والإعجاز، أو من قبيل وصف الكلام بوصف قائله، أو بوصف من علمه وعمل به. وقيل: المجد السعة في الكرم والقرآن كثير الكرم لأن من طلب منه مقصودا فيه وجده واستغنى ببيانه وإرشاده. قوله: (إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب) يعني أن «بل» للإضراب وهو الإعراض عن الكلام الأول والعدول إلى ما هو أهم، فلما كان ما بعد «بل» أهم كان منكرا بشهادة مقام التوبيخ، فمعنى الإنكار مستفاد من «بل بمعونة المقام كأنه قيل: