حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 665
انظر إلى أنهم مم يتعجبون وأنهم يتعجبون مما ليس بعجب. وقوله: أَنْ جاءَهُمْ أي من أن جاءهم ووجه الإنكار أن حق من كان منهم أن يكون ناصحا لهم مشفقا عليهم يحذرهم، والمحذر منه غاية المخاوف ونهاية المحاذير. وبقي الكلام في أن المضرب عنه بكلمة «بل» ما هو؟ والظاهر أنه مضمون الجملة القسمية فإنه تعالى لما أقسم بالقرآن المجيد على حقية البعث، أو على أنه عليه الصلاة والسّلام رسول مبعوث للإنذار وأنه يجب الإيمان بكل واحد منهما أضرب عن الحكم المقسم به عليه إلى توبيخ الكفار بالبعث والتعجب مما ليس بعجب فقال: بَلْ عَجِبُوا. قوله: (أو من أبناء جلدتهم) أي من القوم المختص بهم فإنه ولد فيهم ونشأ بينهم وتربى بين أظهرهم. وفي الصحاح: الجلدة أخص من الجلد. انتهى. فيكون عبارة عن مزيد التعلق وكمال الاتصال. قوله: (أو عطف لتعجبهم من البعث) أي عطف على قوله: «حكاية لتعجبهم» وقوله تعالى: فَقالَ الْكافِرُونَ على التقديرين معطوف على قوله:
عَجِبُوا إلا أنه على الأول من قبيل عطف تفصيل المجمل على المجمل كما في قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ [هود: 45] فلا تكون الفاء العاطفة للتعقيب الزماني بل للدلالة على أن ما بعدها كلام مرتب على ما قبلها في الذكر لأن تفصيل الشيء إنما يصح بعد جري ذكره، وتكون كلمة «هذا» إشارة إلى كونه عليه الصلاة والسّلام متعينا للرسالة والاختيار لها. وعلى الثاني يكون من قبيل عطف أحد المتغايرين على الآخر فيكون «هذا» إشارة إلى المبهم الذي يفسره قوله: أَإِذا مِتْنا فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء للتعقيب الزماني لجواز أن يكون: تعجبهم من البعث عقيب تعجبهم من البعثة. قوله: (وإضمار ذكرهم ثم إظهاره) جواب عما يقال: كان الظاهر أن يقال بل عجب الكافرون فقالوا، فلم عكس؟ قوله: (والمبالغة فيه) مبتدأ وقوله: «لأنه أدخل» خبره وضمير «فيه» للتعجب من البعث فرق بين التعجبين بكون الثاني أدخل في الإنكار وأوفق به على أن «أدخل» لتفضيل المفعول مثل أشغل من ذات النحيين. ثم بيّن كونه أدخل فيه بقوله: إذ الأول وهو تعجبهم من البعثة فلما كان الثاني أدخل في الإنكار بولغ فيه بوضع الظاهر موضع ضميرهم وحكاية تعجبهم مجملا ومبهما، وإبهام التعجب وإجماله مبنيان على إبهام المتعجب منه وإجماله فإن كانت الإشارة إلى ما لم يذكر صريحا ولا دلالة وهو الرجع البعيد وهما أو عادة أو إمكانا يكون المتعجب منه مبهما فيكون التعجب أيضا مبهما، وإن كانت الإشارة إلى المجمل المذكور دلالة وهو البعث المعبر عنه بعنوان مجمل وهو المنذر به المدلول عليه بقوله:
«منذر» يكون التعجب أيضا مجملا. قوله: (ثم تفسيره أو تفصيله) مجرور بالعطف على حكاية تعجبهم مبهما أو مجملا على طريق اللف والنشر.