حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 677
في حكاية التقاول فإنه جواب لمحذوف دل عليه. رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ كأن الكافر قال: هو أطغاني فقال: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ بخلاف الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها للدلالة على الجمع بين مفهوميهما في الحصول أعني مفهوم مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه. وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) فأعنته عليه فإن إغواء الشيطان إنما يؤثر فيمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واردة بما يلاقونه عن قريب من نفخة البعث وما يترتب عليها من الأحوال الواقعة بعد البعث إلى أن يلقى كل كفار عنيد في جهنم ومنها قول القرين هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ فحقه أن يعطف على الجمل المذكورة قبله بخلاف الجملة الثانية فإنها جملة مستأنفة فحقها أن تكون خالية عن العاطف كما في الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما وقع في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إذ قال لأبيه وقومه: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ [الأنبياء: 52، 53، 54] الآيات فإن قيل: فأين التقاول ههنا؟ قلنا: لما قال قرينه: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ وتبعه قوله: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وتلاه قوله تعالى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ [ق: 28] علم أن ثمة مقاولة بين الكافر وقرينه لكن طرح قول الكافر في الذكر لدلالة قوله: (ربنا ما أطغيته عليه) وقال الكافر اعتذارا عن كفره وعصيانه: يا رب ما عصيتك باختياري بل لأن الشيطان الذي قيضته لي أطغاني وحملني على معصيتك فقال قرينه: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ فمقالة الكافر وإن لم يصرح بها اعتمادا على ذكر ما يدل عليها وهو قول قرينه: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ إلا أنها لما كانت مقدرة ملحوظة في النظم كانت موردا لأن يسأل ويقال فماذا يقول قرينه حين ما قال الكافر ذلك في حقه.
فأجيب عنه بأن قيل: قالَ قَرِينُهُ فإنه إذا حكى قول أحد الخصمين اتجه أن يقال: فماذا قال خصمه؟ فيستأنف بأن يقال قال خصمه: كذا. وهذه الآية تؤيد كون المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الموكل عليه فإن قيل: لما قال القرين أولا في حق الكافر هذا عندي وفي ملكي عتيد لجهنم هيأته لها بإغوائي إياه، كيف يصح منه أن يقول:
رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أي ما جعلته طاغيا مجاوزا حده في العصيان؟ قلنا أشار المصنف إلى جوابه بقوله: أولا «بإغوائي» له وآخرا بقوله: «فأعنته عليه» لكونه في نفسه مائلا إلى الفجور.
والحاصل أن الإغواء بمعنى تزيين المعصية غير الإطغاء. قال صاحب الكشف: وهذه الآية لا تنافي قوله: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ على معنى اعتدته لجهنم وهيأته لها بإغوائي وإضلالي على ما توهم، لأن الأول نظير قول الشيطان: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [النساء: 119] وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 39] وقوله: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ نظير قوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22] فلا تلوموني. انتهى كلامه. وقيل في رفع المنافاة صدر القولان من القرين في حالين، قال أولا حين ما يسوقه: أنا فعلت ذلك إظهارا للانتقام من