حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 678
كان مختل الرأي مائلا إلى الفجور كما قال: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22]
قالَ أي اللّه تعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ أي في موقف الحساب فإنه لا فائدة فيه وهو استئناف مثل الأول وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) على الطغيان وفي كتبي وعلى ألسنة رسلي فلم تبق لكم حجة، وهو حال فيه تعليل للنهي أي لا تختصموا عالمين بأني أوعدتكم والباء مزيدة أو معدية على أن قدم بمعنى تقدم.
ويجوز أن يكون بالوعيد حالا والفعل واقعا على قوله:
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي وعفو بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بني آدم لكونه سبب لعنة الشيطان، ثم إذا رأى العذاب وقال الكافر: إنه الذي أطغاني رجع عن قوله الأول وقال: ما أطغيته. قوله: (وهو استئناف مثل الأول) كأن قائلا قال: فماذا قال اللّه تعالى للقرين وخصمه حين تقاولا؟ فأجيب بأنه قيل: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ وقوله لديّ يدل بمفهومه على أن الاختصام المنهي عنه هو الاختصام في الموقف. وأما الاختصام في الدنيا فغير منهي عنه بل هو واجب. قوله: (عالمين بأني أوعدتكم) توجيه لكون جملة وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ حالا من فاعل «لا تختصموا» مع عدم مقارنة مضمونها لمضمون عاملها لأن التقديم كان في الدنيا والخصومة في الآخرة. وقد تقرر أن اجتماع مضمون الحال مع مضمون العامل شرط والمعنى: لا تختصموا وقد صح عندكم الآن أني قدمت إليكم بالوعيد وزمان الصحة متحد مع زمان النهي. قوله: (ويجوز أن يكون بالوعيد حالا) أي ويجوز أن لا تكون الباء زائدة ولا معدية بأن تكون للملابسة ويكون المعنى: بأن قدمت إليكم ملتبسا بالوعيد ما يبدل القول لدي، والمراد بالقول هو الوعيد بتخليد الكافر في النار وبمجازاة العصاة على حسب استحقاقهم جزاء وفاقا. وقوله تعالى: لَدَيَ متعلق بالقول أي لا قول لي بوقوع الخلف فيه. وكلمة «ما» في قوله تعالى: ما يُبَدَّلُ القوى لَدَيَ نافية يعني لا يقع الخلف في القول لديّ الآن بل ينجز ويحقق مضمونه، فإذا أريد نفي الفعل يقال: زيد ما يفعل شيئا ولو أريد نفيه في المستقبل يقال: لا يفعل ولن يفعل. قوله: (وعفو بعض المذنبين) جواب عما يقال: ما وجه التوفيق بين قوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ وبين آيات العفو والغفران؟ فإن الأول يدل على أنه لا يقع الخلف في مضمون الآيات الواردة في حق وعيد العصاة والعفو عن بعضهم ينافي مضمونها. وتقرير الجواب أن العفو إنما ينافيه أن لو كانت الآيات الواردة في حق الوعيد عامة في حق جميع العصاة وليست كذلك بل هي واردة في حق من تعلقت المشيئة بتعذيبهم بقرينة آيات العفو الواردة في حق من تعلقت المشيئة بالعفو عنه، فإنه تعالى يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء فلا تبديل في القول بالعفو عن البعض.