فهرس الكتاب

الصفحة 4739 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 691

بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة، وإلا فالفاء لترتب الأفعال إذ الريح قبلا تذروا الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحابا فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسم المطر

إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) جواب للقسم كأنه استدل باقتداره على هذه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالرياح الذاريات، فبالسحب الحاملات للأمطار، فبالسفن الجاريات في البحر، فبالملائكة المقسمات للأمور، ولما كانت هذه الأمور الأربعة متفاوتة في الدلالة على كمال القدرة قدم في الإقسام بها ما هو أدل عليه وأتم. وتوضيح المقام أن الأيمان الواقعة في القرآن وإن وردت في صورة تأكيد الحلوف عليه إلا أن المقصود الأصلي منها تعظيم المقسم به لما فيه من الدلالة على كمال القدرة فيكون المقصود بالحلف به الاستدلال به على الحكم المحلوف عليه وهو ههنا صدق الوعد بالبعث والجزاء، فكأنه قيل: من قدر على هذه الأمور العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة يقدر على إعادة من أنشأه أولا كقول القائل لمن أنعم عليه: وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك أتى بصورة القسم الدال على تعظيم النعم استدلالا به على أنه مواظب لشكرها، فإذا كان كذلك فالمناسب في ترتب الإقسام بالأمور المتباينة أن يقدم ما هو أدل على كمال القدرة، والرياح أدل عليه بالنسبة إلى السحب لكون الرياح أسبابا لحدوثها، والسحب لغرابة ماهيتها وكثرة منافعها ورقة حاملها الذي هو الريح أدل عليه بالنسبة إلى السفن، وهذه الثلاثة لكونها من قبيل المحسوسات أدل عليه بالنسبة إلى الملائكة الغائبين عن الحس إذ الخصم ربما ينكر وجود من هو غائب عن الحس فلا يتم الاستدلال.

قوله: (وإلا فالفاء لترتب الأفعال) أي وإن لم تحمل الأمور الأربعة على موصوفات متباينة بالذات بل على موصوف واحد له أربعة اعتبارات تكون الفاء لترتيب الأوصاف في الوجود كما في قولك: جاءني الآكل فالشارب فالصائم، فقدم من الصفات المذكورة ما هو متقدم في الوجود فإن الرياح تذر والأبخرة أولا فتحمل السحاب ثانيا فتجري بالسحاب جريا ذا يسر ثالثا فتقسم المطر رابعا. وقوله تعالى: ذَرْوًا مصدر مؤكد لقوله: وَالذَّارِياتِ وقيل: «ذروا» مفعول به بمعنى مذروا تسمية للمفعول بالمصدر كخلق اللّه وضرب الأمير والمعنى: والذاريات ترابا مذروا. والأول أشهر. وقوله: «وقرا» مفعول به للحاملات كما يقال: حمل فلان عدلا ثقيلا. والمصنف بيّن إعراب يسرا. وقوله: «أمرا» مفعول به وهو عبارة عن المقسوم أيا كان. قال الإمام: الحكمة في الأيمان الواقعة في القرآن وجوه: الأول أن الكفار كانوا في بعض الأوقات ينسبونه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المجادلة ويقولون: إنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة يقول: إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل وعجزي عنه وهو في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت