حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 698
هجوعهم. أو ما يهجعون فيه ولا يجوز أن تكون نافية لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم ذكر القليل والليل الذي هو وقت السبات والهجوع الذي هو الغرار من النوم وزيادة ما.
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) أي أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم أحقاء بذلك لوفور علمهم باللّه وخشيتهم منه.
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌ نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى اللّه وإشفاقا على الناس. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كائنا ذلك المقدار من الليل. قوله: (ولا يجوز أن تكون نافية) رد لمن جعل «قليلا» خبر كان وأتم الكلام به على معنى كانوا من الناس قليلا كقوله: وَقَلِيلٌ ما هُمْ [ص: 24] وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] ثم ابتدأ بقوله: ما يَهْجَعُونَ أي ما يهجعون من الليل ولا ينامون في الليل أصلا. ووجه الرد أن «ما» النافية لها صدر الكلام فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها فلا يبقى لقوله: «من الليل» ما يتعلق به. قوله: (والليل الذي هو وقت السبات) وصف الليل به للإشارة إلى وجه المبالغة في ذكر الليل فإنه إذا قلت: استراحتهم في وقت الاستراحة تكون استراحتهم في غاية القلة لأن النهار ليس وقتا لها. وفي الصحاح: الغرار النوم القليل، والهجعة النومة القليلة. وكلمة «ما» تزاد لتأكيد مضمون الجملة التي زيدت هي فيها وهي هنا زيدت في الجملة. أخبر بها عن قلة هجوعهم فهي تؤكد تلك القلة وتحققها في مادتها، فتكون من طرق المبالغة في تقليل نومهم. قوله: (وفي بناء الفعل على الضمير إشعار) وجه الإشعار أن تقديم الضمير وجعل الفعل خبرا عنه يفيد حصر الكلام أي هم الكاملون في الاستغفار دون غيرهم وذلك إنما يكون لوفور علمهم باللّه وكمال خشيتهم منه واستغفارهم إما قولي أو فعلي بأن يأتوا بعبادة تؤدي إلى المغفرة.
قوله: (يستوجبونه على أنفسهم) أي يعدونه حقا واجبا عليهم ويشبهونه به في صدق عزيمتهم على إيصاله لهم كما يقال: يستكثرونه لما يعدونه كثيرا. والمقصود من توصيف الحق بذلك دفع ما يقال: كيف يمدح المرء بأن يثبت في ماله حق للفقراء أي نصيب أوجبه اللّه عليه في ماله، فإن أغنياء المسلمين كلهم كذلك حيث أوجب اللّه تعالى عليهم الزكاة والعشر ونحوهما بل وعلى الكافر أيضا إن قلنا إنه مخاطب بفروع الإسلام إذ في ماله حق معلوم للفقراء غير أنه إذا أسلم سقط عنه فإن مات عوقب على تركه الأداء، فكيف يكون ذلك صفة مدح لهم؟ ووجه الدفع أن ليس المراد بالحق ما أوجبه اللّه تعالى عليهم في أموالهم بل المراد ما يؤثرون به الفقراء على أنفسهم مع احتياجهم إليه شفقة على خلق اللّه تعالى ورغبة فيما عند اللّه من الأجر الباقي كأنهم يوجبون ذلك على أنفسهم