حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 703
أي أنتم قوم منكرون وإنما أنكرهم لأنه ظن أنهم بنو آدم ولم يعرفهم، أو لأن السّلام لم يكن تحيتهم فإنه علم الإسلام وهو كالتعرف عنهم.
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فذهب إليهم في خفية من ضيفه فإن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى حذرا من أن يكفه الضيف أو بصير منتظرا. فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) لأنه كان عامة ماله البقر.
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ بأن وضعه بين أيديهم. قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (27) أي منه وهو مشعر بكونه حنيذا. والهمزة فيه للعرض والحث على الأكل على طريقة الأدب إن قاله أول ما وضعه وللإنكار إن قاله حيث ما رأى إعراضهم.
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً فأضمر «منهم» خوفا لما رأى إعراضهم عن طعامه لظنه أنهم جاؤوه لشر. وقيل: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. قالُوا لا تَخَفْ أنّا رسل اللّه. قيل: مسح جبرائيل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم. وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ هو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«فقالوا سلاما قال سلما» كما قرئ «قال سلاما» قوله: (أي أنتم قوم منكرون) أي قوم لا نعرفكم، يقال: نكرت الرجل بكسر الكاف نكرا وأنكرته واستنكرته إذا لم تعرفه فالكل بمعنى واحد. وإنما قال لهم ذلك لأنه رأى لهم حالا وشكلا على خلاف حال الناس وشكلهم فدل ذلك على أنهم ليسوا من قومه فقال لهم ذلك، أو لأنه عليه السّلام كان بين أظهر قوم كافرين لا يحيي بعضهم بعضا بما هو علم الإسلام فلما سمع منهم ما لم يسمعه من أهل زمانه نكرهم فقال لهم ذلك. ويجوز أن يكون هذا منه تعرفا عن حالهم كأنه قال: أنتم قوم لا نعرفكم من أنتم؟ وعن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسّلام قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم. فإن قيل: قال تعالى في سورة هود: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هود: 70] فدل ذلك على أن إنكاره عليه السّلام حصل بعد تقريب العجل إليهم وقال ههنا: فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ثم قال: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ بفاء التعقيب وذلك يدل على أن تقريب الطعام إليهم كان بعد حصول إنكاره فما وجه التوفيق؟ فالجواب أن الإنكار الذي كان قبل تقريب العجل غير الإنكار الحاصل بعده فإن الإنكار الحاصل قبله بمعنى عدم العلم بأنهم من أي بلدة ومن أي قوم، والإنكار الحاصل بعده بمعنى عدم العلم بأنهم دخلوا عليه بقصد الخير أو الشر فإن من امتنع من تناول طعام أهل البيت يخاف من شره ولم يؤمن من ضرره، فإن عادة من يجيء للشر والضرر أن لا يتناول من طعام من يريد إضراره. قوله: (أي منه) لأن المقصود ليس عرض جنس الأكل والحث عليه بل المقصود عرض الأكل مما قربه إليهم، فلما كان منه مقدرا كان فيه إشعار بكون العجل حنيذا أي مشويا كما صرح به في موضع آخر فقال: بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: 69] . قوله:
(فقام يدرج) أي يمشي ويمضي لسبيله يقال: درج دروجا أي مشى ودرج أي مضى لسبيله.