حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 705
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) يعنون قوم لوط
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33) يريد السجيل، فإنه طين متحجر.
مُسَوَّمَةً مرسلة من أسيمت الماشية، أو معلمة من السومة وهي العلامة. عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) المجاوزين الحد في الفجور.
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها في قرى قوم لوط وإضمارها ولم يجر ذكرها لكونها معلومة.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) ممن آمن بلوط
فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) غير أهل بيت من المسلمين. واستدل به على اتحاد الإيمان والإسلام وهو ضعيف لأن ذلك لا يقتضي إلا صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهومهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما يستعمل في الأمر العظيم والفاء فيه للتعقيب أي بعد ما علمت أنكم ملائكة وأن الملائكة لا ينزلون إلا لأمر عظيم لأنهم عباد مكرمون عند اللّه تعالى فلا يرسلهم إلا لأمر عظيم فما ذلك الأمر؟ وقوله تعالى: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً استدل به على وجوب الرجم بالحجارة على اللائط وقوله: «مسومة» منصوب على أنه صفة حجارة أو على أنه حال من المنوي في قوله: «من طين» أو من «حجارة» وحسن ذلك لكون النكرة موصوفة بالجار والمجرور بعدها أي حال كونها مرسلة من خزانة اللّه تعالى أو معلمة. قيل: مكتوب على كل حجر منها اسم صاحبه وقوله: «عند رب» ظرف «لمسومة» واللام في «المسرفين» لتعريف العهد أي مسومة لهؤلاء المسرفين لا لكل مسرف، فيكون من وضع الظاهر موضع الضمير للإشارة إلى علة إعدادها لهم وإسرافهم فاحشتهم التي قال تعالى في حقها: ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ [الأعراف: 80؛ العنكبوت: 28] . قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها) أي بأن كنا سببا لخروجهم حيث قلنا له عليه الصلاة والسّلام فأسر بأهلك بقطع من الليل، وفيه دليل أنه ببركة المحسن ينجو المسيء فإن القرية ما دام فيها المؤمنون لم تهلك. قوله: (غير أهل بيت) يعني لوطا وبنيه ولما وصفهم اللّه تعالى بالإيمان والإسلام جميعا استدل به على اتحادهما، وهو ضعيف لأن صدق الناطق والضاحك مثلا على الإنسان لا يدل على اتحاد مفهومهما لكن يدل على أنهما صفتا مدح. والإيمان في اللغة عبارة عن التصديق مطلقا قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ أي بمصدق فيما حدثنا، وفي الشرع عبارة عن التصديق الخاص وهو تصديق الرسول في جميع ما علم مجيئه به ضرورة أي في جميع ما علم كونه من الدين ضرورة وهو فعل القلب، وأما أفعال الجوارح فهي فروع الإيمان وثمراته اللازمة له المتفرعة عليه. فالإيمان يستتبع الإسلام الذي هو فعل الجوارح فكل مؤمن مسلم من غير عكس، فإن المنافق مسلم وليس بمؤمن قال تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: 14] فظهر أن المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص لا يدل على اتحاد مفهومهما.