حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 721
و «فاكهون» على أنه الخبر والظرف لغو. وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18) عطف على آتاهم إن جعل «ما» مصدرية أو «في جنات» أو حال بإضمار «قد» من المستكن في الظرف أو الحال أو من فاعل «آتى» أو مفعوله أو منهما.
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا أي أكلا وشربا هنيئا أو طعاما وشرابا هنيئا وهو الذي لا تنغيص فيه. بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربما يدخلها ليعمل فيها ويصلحها كما هو شأن ناطور الكرم أي مصلحه وحافظه، فلما قيل:
«ونعيم» أفاد أنهم فيها متنعمون كما هو شأن المتفرج بالبستان لا كالناطور والعمال. ثم زاد في بيان نزهة خاطرهم وكمال حبورهم وسرورهم بقوله: «فاكهين» فإن المتنعم قد يستغرق في النعم الظاهرة وقلبه مشغول بأمر ما فلما قال: «فاكهين» تبين أن استقرارهم في النعيم ليس إلا في حال كونهم متلذذين لا يشوب سرورهم وحبورهم شيء من الكدر. وقرئ «فكهين» بالقصر و «فاكهون» بالرفع على أنه خبر «أن» وحينئذ يجوز أن يكون «في جنات» ظرفا لغوا متعلقا بالخبر وأن يكون خبرا آخر عند من يجوز تعدد الخبر، وقوله: «بما آتاهم» متعلق «بفاكهين» و «ما» موصولة حذف عائدها وهو المفعول الثاني «لآتاهم» أي متلذذين بسبب ما آتاهم أي أعطاهم ربهم إياه أو مصدرية أي متلذذين بإيتائهم ربهم ما خصهم به من الكرامة.
قوله: (عطف على آتاهم أن جعل ما مصدرية) والتقدير: متلذذين بإيتائهم ووقايتهم عذاب الجحيم، ولا يجوز عطفه على «آتاهم» إن جعلت «ما» موصولة لأن المعطوف على الصلة يكون في حكم الصلة فيجب اشتماله على العائد ولا عائد لها في الجملة المعطوفة، لأن التقدير حينئذ: فاكهين بالذي آتاهم ربهم إياه وبالذي وقاهم ربهم عذاب الجحيم. وليس في الجملة الثانية ما يعود على الموصول لأن وقاهم قد أخذ كلا مفعوليه ولو قدر العائد لبقي بلا عامل، بخلاف آتاهم فإن مفعوله الثاني محذوف هو العائد إلى الموصول. قوله: (أو في جنات) أي أو هو عطف على قوله: «في جنات» لأن التقدير أن المتقين استقروا في جنات ووقاهم. قوله: (أو حال) معطوف على قوله: «عطف» أي ويجوز أن تكون الواو حالية لا عاطفة فتكون كلمة «قد» مقدرة لما تقرر من أن الماضي المثبت إذا وقع حالا لا بد من اقتران الجملة بكلمة «قد» ظاهرة أو مقدرة وذو الحال إما المستكن في الظرف أو في الحال أو هو إما فاعل «آتى» أو مفعوله أو كلاهما. وقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا محكى بقول مقدر أي يقال لهم ذلك و «هنيئا» منصوب على أنه صفة مصدر محذوف أي أكلا أو شربا هنيئا، أو على أنه صفة للمفعول به المحذوف أي طعاما وشرابا هنيئا، فإنه ترك ذكر المأكول والمشروب للدلالة على تنوعهما وكثرتهما. والهنيء والمريء صفتان من هنئ الطعام ومرئ إذا كان سائغا لا تنغيص به أي إذا كان بحيث لا يورث الكدر من نحو التخم والسقم، يقال: نغص اللّه عليه العيش تنغيصا أي كدره وتنغصت عيشته أي تكدرت.