حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 5
والمراد نفي ما ينسبون إليه.
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى.
إِنْ هُوَ والقرآن أو الذي ينطق به إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) إلا وحي يوحيه اللّه إليه واحتج به من لم ير الاجتهاد له. وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه بأن يجتهد كان اجتهاده وما يستند إليه وحيا، وفيه نظر لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي
عَلَّمَهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باطلا. وحاصل ما ذكره من الفرق أن الغواية هي الخطأ في الاعتقاد خاصة والضلال أعم منها يتناول الخطأ في الأفعال والأقوال والعقائد، فلذلك يقال: ضل بعيري ولا يقال غوى، فالضلال هو العدول عن الطريق المستقيم الذي بينها اللّه تعالى لعباده سواء كان متعلقا بالأفعال أو الأقوال أو العقائد أو الأخلاق، والغواية هو العدول عن الطريق المستقيم في باب العقائد فيكون قوله تعالى: وَما غَوى من قبيل التخصيص بعد التعميم لمزيد العناية بنفي الخاص. فالمراد نفي ما نسبوه إليه من العدول عن سنن الصواب في كل واحد من باب الاعتقاد والعمل، فاللّه تعالى تولى جواب ما قالوا له عليه الصلاة والسّلام فقال: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22] وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ [الحاقة: 41] وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ [الحاقة: 42] وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وسائر الأنبياء كانوا يجيبون بأنفسهم: فإن قوم نوح لما قالوا له عليه الصلاة والسّلام: (إنا لنراك في ضلالة) أجابهم بقوله: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ [الأعراف: 61] ولما قال عاد لهود: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ [الأعراف: 66] قال: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ [الأعراف: 67] ولما قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسّلام: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا [الإسراء: 101] قال له: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: 102] ونحو ذلك. قوله: (وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى) أي عن ميل نفسه وشهوته من غير أن يوحي إليه شيء. وهو إشارة إلى أن تعدية النطق ب «عن» مبني على تضمنه معنى الصدور. وقيل: «عن» بمعنى الباء فإن العرب تجعل عن مكان الباء تقول: رميت عن القوس أي بالقوس. قال أولا: ما ضل وما غوى بصيغة الماضي، ثم قال: وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى بصيغة المستقبل بيانا لحاله قبل البعثة وبعدها أي ما ضل وما غوى أبدا حيث اعتزلكم وما تعبدون قبل أن يبعث رسولا، وما ينطق عن الهوى الآن حين يتلو عليكم آيات ربه. والوحي في الأصل مصدر أطلق ههنا على الكتاب الإلهي الموحى وقوله: يُوحى صفة لوحي وفائدة المجيء بهذا الوصف دفع توهم المجاز أي هو وحي حقيقة لا بمجرد تسميته وحيا. والوحي بالمعنى المصدري له معان وهي: الإرسال والإلهام والكتابة والإشارة والكلام والإفهام. قوله: (واحتج به من لم ير الاجتهاد له) قال صاحب الكشاف: وجه الاحتجاج أن اللّه تعالى أخبر بأن جميع ما ينطق به وحي وما كان عن اجتهاد فليس بوحي فليس مما ينطق به، ثم نقل جواب صاحب