حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 14
عليه الصلاة والسّلام خالد بن الوليد فقطعها، وأصلها تأنيث الأعز. ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف وهي فعلة من مناه إذا قطعه فإنهم كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه منى. وقرأ ابن كثير مناءة مفعلة من النوء فإنهم يستمطرون الأنواء عندها تبركا بها وقوله: «الثالثة الأخرى» صفتان للتأكيد كقوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: 38] أو الأخرى من التأخر في الرتبة.
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21) إنكار لقولهم: الملائكة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلما قطعها رجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: قد قطعتها. فقال: «ما رأيت» ؟ قال: ما رأيت شيئا. فقال عليه الصلاة والسّلام: «ما بلغت» . فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة ناشرة شعرها داعية وبلها واضعة يدها على رأسها فقتلها خالد رضي اللّه عنه، ثم رجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بذلك فقال: «تلك العزى ولن تعبد أبدا» .
قوله: (من مناه إذا قطعه) وقيل: من منى يمني أي صب سميت الصخرة مناة لأن دماء النساء البكر كانت تصب عندها، وألفها منقلبة عن ياء والتاء زائدة لتأنيث الصخرة فوزنها فعلة وميمها أصلية. وقرأ ابن كثير «مناءة» بالمد والهمز من النوء أصله منوأة فنقلت حركة الواو إلى النون قبلها فقلبت ألفا ومعناه: موضع الاستمطار من الأنواء. والنوء سقوط نجم من المنازل الثماني والعشرين في المغرب عند طلوع الفجر مع طلوع رقيبه من المشرق بمقابلة ما سقط من ساعة سقوطه وذلك في ثلاثة عشر يوما ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما. وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقال الأصمعي: إلى الطالع منها فتقول: مطرنا بنوء كذا. والجمع أنواء فوزن الكلمة حينئذ مفعلة فألفها عن واو وهمزتها أصلية وميمها زائدة فإنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها. قوله: (صفتان للتأكيد) أما كون الثالثة للتأكيد فظاهر، وأما الأخرى فإنها وإن أفادت معنى زائدا على ما أفاده الموصوف لأنها تأنيث الآخر بفتح الخاء بمعنى المغاير مع الاشتراك مع الموصوف فيما أثبت له، فالأحرى تصلح مخصصة للمناة إلا أنه لا يصح أن تحمل الأخرى في الآية على هذا المعنى إذ لا مشارك للمناة في كونها مناة ثالثة حتى توصف بالأخرى احترازا عنها، فوجب أن تكون بمعنى المغاير مطلقا فتكون صفة مؤكدة ضرورة أن مناة كما تكون ثالثة اللات والعزى فهي مغايرة لهما. قوله: (أو الأخرى من التأخر في الرتبة) أي ويجوز أن تكون الأخرى صفة مسوقة للذم لكونها بمعنى المتأخرة في الرتبة الوضيعة الذليلة في القدر كقوله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الأعراف: 38] أي ضعفاؤهم لأشرافهم. ووجه كون مناة وضيعة ذليلة بالنسبة إلى اللات والعزى أن اللات وإن كانت صخرة إلا أنها على صورة الأدمي والعزى شجرة وهي لكونها من أقسام النبات أشرف من المناة التي هي صخرة، فظهر أن مناة متأخرة عنها رتبة.