حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 15
بنات اللّه. وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته أو هياكل الملائكة وهو المفعول الثاني لقوله: «أَفَرَأَيْتُمُ» .
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (22) جائرة حيث جعلتم له ما تستنكفون منه. وهي فعلى من الضيز وهو الجور، لكنه كسر فاؤه ليسلم الياء كما فعل في بيض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو المفعول الثاني لقوله أفرأيتم) أي ساد مسده فإن «رأيتم» تستدعي مفعولين إما لكونها بمعنى أفعلمتم و «اللات» وما عطف عليه مفعوله الأول، والجملة الاستفهامية سادة مسد مفعوله الثاني كأنه قيل: أفعلمتم هذه الأصنام حاكمة بأن يكون لكم الذكر وله الأنثى. وإما لكونها بمعنى أخبروني والمعنى: أفتمارون بعد ما تبين لكم رفعة شأنه وحقية رسالته، فأخبروني أن هذه الأصنام هل هي بنات اللّه مع وأدكم البنات وكراهتكم إياهن؟ فإنه قيل: كيف تكون الجملة الاستفهامية مفعولا ثانيا «لأفرأيتم» ولم يعد منها ضمير على المفعول الأول؟ قلنا: استغنى عن الضمير بتعريف الأنثى فإنه في قوة أن يقال:
وله هذه الأصنام وكان الظاهر أن يقال: وله هن أي تلك الأصنام، إلا أنه وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لرعاية الفواصل والإشارة إلى علة الإنكار والتوبيخ. والفاء في قوله:
«أفرأيتم» للتعقيب كالتي في قوله: أَفَتُمارُونَهُ فإنه تعالى صور أمر الوحي أولا تصويرا تاما وحقق أن ما ينطق به وحي أوحي إليه بواسطة ملك شديد قواه لأنه رأى ذلك الملك بصورته الملكية وعرفه حق المعرفة، ثم قال: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى أي أفتجادلونه بعد هذه البينات على ما يرى من الآيات المحققة لكونه على بينة من ربه بحيث لا يتصور معه أن يكون له شائبة ارتياب في أن ما أوحي إليه كلام إلهي يلقيه إليه ملك مقرب عنده، كيف وقد رآه نزلة أخرى وعرفه حق المعرفة؟ ثم قال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ تنبيها على أن ما ذكر إلى هنا من الآيات الكبرى فهو أيضا نفي للضلالة والغواية وتحقيق للدراية والهداية. ثم عطف قوله: أَفَرَأَيْتُمُ على أَفَتُمارُونَهُ وادخل عليه الهمزة لزيادة الإنكار فإنه إذا تبين عظمة اللّه في ملكوته، وأن رسوله أي المرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال اللّه تعالى وعزته، فقد تحقق واتضح أن ما ذهبوا إليه من أن هؤلاء الأصنام شركاء له تعالى وبناته مع خستها وحقارة شأنها منكر غاية الإنكار أي أنكم مع مماراتكم فيما ليس بمظنة للمراء أخبروني هل هؤلاء الأخساء بنات اللّه تعالى؟ والمقصود التهكم بهم والتنبيه على أنه نتيجة مرائهم وأن من بلغ في الضلال إلى أن كان معتقده مثل هذا لا يبعد منه أن ينسب من هو في أعلى درجات الرشاد والسداد إلى الضلالة والغواية وأن يمارى معه فيما اتضح كنار على علم.