حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 19
تزيده الدعوة لا عنادا أو إصرارا على الباطل.
ذلِكَ أي أمر الدنيا أو كونها شهيته.
مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ لا يتجاوزه علمهم. والجملة اعتراض مقرر لقصور همهم بالدنيا وقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30) تعليل للأمر بالإعراض أي إنما يعلم اللّه من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا بعقاب ما عملوا من السوء، أو بمثله، أو بسبب ما عملوا من السوء وهو علة لما دل عليه ما قبله أي خلق العالم وسواه للجزاء، أو ميز الضال من المهتدي وحفظ أحوالهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التيقن بما هو الحق ولا يكفيه الظن به، فالظن بالوحدانية مثلا لا يغني من الحق ولا ينوب منابه ولا ينفع صاحبه ولا ينزله منزلة المحق لأن المحق من تيقن بالحق وجزم به والظن بالوحدانية لا يغني موحدا. ثم إنه تعالى لما ذكر أنهم تركوا الهدى الذي جاءهم من ربهم واتبعوا الظن وما تهوي الأنفس فرع عليه قوله: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا أي عن كتابنا ووعظنا فلم يصدقه ولم يقبله. وقيل: عن ذكرنا بالوحدانية وصفات العظمة والكبرياء.
ثم جهلهم وصغر رأيهم فقال: ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فإن أمر الدنيا وما يتمتع به فيها أخس الحظوظ وأوضعها لا يقتصر أحد من العقلاء عليه، إذ هو من أخلاق البهائم التي لا ترغب إلا في الحاضر التافه الفاني. قيل: كل ما في القرآن من قوله تعالى: فَأَعْرِضْ منسوخ بآية القتال. ورد بأن الأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالإعراض عن الدعوة وإنما يتنافيان أن لو كان المراد بالإعراض الإعراض عنهم بالكلية وليس كذلك بل المراد به الإعراض عن دعوتهم إلى الإيمان بإقامة الدليل والبرهان، فإنه تعالى أمر رسوله عليه الصلاة والسّلام أولا بدعائهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمره بإزالة شبهتهم والجواب عن أباطيلهم بأن قال له: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ثم لما لم ينفع ذلك قال له ربه: أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: 42] ولا تشتغل بإقامة الدليل والبرهان إذ لم يبق سبيل إلى معالجتهم بالغذاء الصالح ولا بالدواء النافع، فقاتلهم واقطع دابرهم لئلا يتعدى داؤهم إلى الصالحين ويشيع الفساد في الأمة. فلما كان الإعراض عن دعوتهم إلى الإيمان شرطا لجواز المقاتلة معهم لم يكن أحدهما منافيا للآخر.
قوله: (والجملة اعتراض) حيث تخللت بين الأمر بالإعراض وتعليله. قوله: (وهو علة لما دل عليه ما قبله) يعني أن قوله تعالى: لِيَجْزِيَ متعلق بمحذوف هو قوله: «خلق العالم» دل عليه قوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن اللام فيه للملك والملك إنما يكون بالخلق. ويجوز أن يكون المحذوف قوله: «ميز الضال من المهتدي الذي هو مدلول»