حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 21
من الكبائر خصوصا. إِلَّا اللَّمَمَ إلا ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر.
والاستثناء منقطع ومحل «الذين» النصب على الصفة، أو المدح، أو الرفع على أنه خبر محذوف إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر أو له أن يغفر ما يشاء من الذنوب صغيرها وكبيرها. ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على اللّه تعالى. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ أعلم بأحوالكم منكم. إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمبالغة في الذم كعطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة في المدح كأنه قيل: والفواحش منها خاصة. قوله: (إلا ما قل وصغر) يعني أن اللمم الصغير من الذنب من ألم بالمكان إذا نزل نزولا من غير لبث طويل، ويقال: ألم بالطعام إذا أقل أكله منه. وكان عليه الصلاة والسّلام يقول: «إن تغفر اللهم فاغفر جما وأي عبد لك ما الما» فيكون الاستثناء منقطعا لأن اللمم وهو الصغير من الذنب لا يدخل تحت الكبائر والفواحش والمعنى: لكم اللمم قد غفره اللّه تعالى فإن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: 114] . قوله تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) يحتمل أن يكون متعلقا بقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وبمن اهتدى تقرير الإحاطة علمه بأحوال الفريقين فحينئذ يكون وجه تفريع قوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ عليه ظاهرا فإنه تعالى لما قال: نحن أعلم بحال الفريقين ونجازيهما على حسب استحقاقهما كان ذلك مظنة أن يقول بعض الكفرة: نحن نعمل أمورا في جوف الليل المظلم في البيت الخالي فكيف يعلمها اللّه؟ فرد اللّه تعالى عليهم وقرر إحاطة علمه بها بقوله: هو أعلم بأحوالكم منكم حيث يعلم أحوالكم حين ابتدأ خلقكم وحين صوركم في الأرحام، فكيف لا يعلم من أحسن منكم ممن أساء؟ ويحتمل أن يكون متعلقا بقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا وأَحْسَنُوا وتأكيد الأمر الجزاء فإنه تعالى لما قال: ليجزي كل واحد من الفريقين كان ذلك مظنة لأن يقول من أنكر الحشر والجزاء: هذا يقتضي أن يحشر من في القبور ويجمع أجزاءهم المتفرقة بحيث لا يختلط شيء من أجزاء البعض بأجزاء الباقين وذلك غير ممكن، فرد اللّه عليهم وقرر إحاطة علمه بجميع أحوالهم فيعلم تفاصيل أجزاء كل شخص فيعيدها إلى بدنه فحينئذ يكون وجه تفريع قوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ على ما قبله كونه نتيجة لعلمه بتفاصيل الأجزاء. والمعنى: فلا تزكوا أنفسكم من العذاب ولا تقولوا تفرقت الأجزاء بحيث امتنع جمعها فلا حشر ولا جزاء، فإن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة.
والأجنة جمع جنين مثل أسرة وسرير، والجنين الولد ما دام في بطن أمه وهو فعيل بمعنى مفعول من جنه إذا ستره، وإذا خرج من بطن أمه لا يسمى إلا ولدا أو سقطا فإن قيل: إذا