حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 22
علم أحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم وحيثما صوركم في الأرحام فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة من المعاصي والرذائل. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32) فإنه يعلم التقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه الصلاة والسّلام.
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) عن اتباع الحق والثبات عليه.
وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (34) وقطع العطاء من قولهم: أكدى الحافر إذا بلغ الكدية، وهي الصخرة الصلبة فترك الحفر. والأكثر على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة كان يتبع رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام فعيّره بعض المشركين وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال: أخشى عذاب اللّه فضمن أن يتحمل عنه العذاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطى بعض المشروط ثم بخل بالباقي.
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) يعلم أن صاحبه يتحمل عنه.
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجنين اسما للولد ما دام في بطن أمه فما فائدة قوله: فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ؟ قلنا:
فائدته المبالغة في بيان كمال علمه وقدرته فإن بطون الأمهات في غاية الظلمة والخفاء فمن علم حال الجنين فيها لا يخفى عليه شيء من أحواله. واختار الحسن البصري كونه متعلقا بقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَ حيث قال: علم اللّه من كل نفس ما هي صانعة وما هي إليه صائرة فلا تزكوا أنفسكم ولا تطهروها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن الأعمال، لأن كل واحد من التخلية والتخلية إنما يعتد به إذا كان خالصا للّه تعالى وإذا كان هو أعلم بأحوالكم منكم فأي حاجة إلى التزكية؟
قوله: (ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم) أي منه أو بخلق كل واحد منكم من التراب، فإنه أصل كل واحد من بني آدم من حيث إن النبات المتولد منه يصير غذاء ويصير الغذاء دما ويصير الدم نطفة والنطفة إنسانا. ثم إنه تعالى لما أمره عليه الصلاة والسّلام بالإعراض عمن تولى وعلّل الأمر المذكور بإحاطة علمه بمن ضل واهتدى وأنه يجازي كل واحد على حسب حاله فرع قوله: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى تعجيبا من حاله وإنكارا عليه جهله وبخله بإعطاء ما التزمه. قوله: (من قولهم أكدى الحافر) يعني أن أصل الإكداء أن يحفر الحافر فيبلغ الكدية فيمسك عن الحفر لتعذره عليه، ثم استعير لكل ما تعذر عن الإنسان.
وقيل: أَرَأَيْتَ* بمعنى أخبرني أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ مفعوله الثاني أي أخبرني أن هذا المعطى المكدي هل عنده علم ما غاب عنه من أحواله وأحوال الآخرة؟ فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه أوزاره على أن قوله: يَرى بمعنى يعلم حذف مفعولاه لدلالة المقام عليهما.
قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ) أي لم يخبر بما في صحف موسى يعني أسفار التوراة. وفي الكواشي: عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنه أنزل على إبراهيم عليه السّلام عشر صحائف وعلى موسى