حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 26
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (44) لا يقدر على الإماتة والإحياء غيره، فإن القاتل ينقض البنية والموت يحصل عنده بفعل اللّه على سبيل العادة.
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (46) تدفق في الرحم أو تخلق أو يقدر منها الولد من مني إذا قدر.
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (47) الإحياء بعد الموت وفاء بوعده. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشاءة بالمد وهو أيضا مصدر نشأة.
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (48) وأعطى القنية وهي ما يتأثل من الأموال وإفرادها لأنها أشف الأموال أو أرضى وتحقيقه جعل الرضى له قنية.
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (49) يعني العبور وهي أشد ضياء من الغميصاء عبدها أبو كبشة أحد أجداد الرسول عليه الصلاة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيجازيهم بأعمالهم. والمنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء. قوله تعالى: (وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) قيل: معناه أن ما يعمله الإنسان فبقضائه وحكمه وخلقه حتى الضحك والبكاء. وقال الكلبي: أضحك أهل الجنة بفضله ورحمته وأبكى أهل النار بعدله وسخطه. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر. وقيل: أضحك قوما عند الموت بإسماع وَأَبْشِرُوا [فصلت: 30] وأبكى قوما عنده بإسماع لا بُشْرى لَكُمْ قوله: (تدفق في الرحم) يقال: منى المني وأمناه أي أنزله وأراقه وصبه. وفسره الأخفش بقوله: تخلق على أنه من منى الماني أي قدر المقدر. ومما يدل على كمال قدرة اللّه تعالى أن النطفة مع كونها جسما متناسب الأجزاء يخلق اللّه تعالى منها الذكر والأنثى والأعضاء المختلفة والطبائع المتباينة. ثم إنه تعالى بعد ما خلقهم أولا من نطفة كذا يخلقهم ثانيا من تراب كما قال:
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وإنما قال: «عليه» لأنه فاعل لا محالة على ما تقتضيه الحكمة.
ثم قال: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى أي أعطى ما يغني عن الغير وَأَقْنى أي أعطى القنية وهي اسم لما يقتني أي يدخر ويتخذ رأس مال زيادة على الكفاية. والتأثيل التأصيل ومال مؤثل أي متخذ أصل مال يحفظ ويدخر لقصد الاستثمار والاستنماء. وفي الصحاح: اقتناء المال وغيره اتخاذه، وفي المثل: لأتقن من كلب سوء جروا، وأقناه اللّه أعطاه ما يقني من القنية والنشب قنوت الغنم وغيرها قنوة وقنوة وقنيتها قنية وقنية إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة، وأقناه اللّه أيضا أي أرضاه. والقنى الرضى تقول العرب: من أعطى مائة من المعز فقد أعطى الغنى، ومن أعطى مائة من الضأن فقد أعطى القنى، ومن أعطى مائة الإبل فقد أعطى المنى.
قوله: (يغني العبور) إشارة إلى أن الشعرى شعريان: إحداهما الشعرى اليمانية وتسمى أيضا الشعرى العبور، وثانيتهما الشعرى الشامية وتسمى أيضا الغميصاء فصلت المجرة بينهما لزعم العرب أن الشعريين أختا سهيل، وأن الثلاثة كانت مجتمعة فانحدر سهيل نحو اليمن